التحرير ” .. فقه و لاهوت أيضا” بقلم هاني فوزي

كتب هاني فوزي احد اصدقائي على فيس بوك و احد الطلبة المتميزين اللذين درستهم في الجامعة الامريكية مقالا جميلا بعنوان
“التحرير ” .. فقه و لاهوت أيضا قال فيه:

مدخل

” ثورة ثورة حتي النصر … ثورة في كل شوارع مصر ” كان هذا و مازال أحد هتافات الشباب فى كل ميادين التحرير . أختلفت المواقف من الثورة كثيراً منذ يناير 2011 ؛ كرهها بعض المواطنون و آمن بها البعض الأخر ، دخل الكثير من القوى اللعبة السياسية بمكاسبها و إحباطاتها ، بألعابها الصغيرة أو الكبيرة ، إستمرت بعض القطاعات فى إضرابات و إعتصامات تخص مهن بعينها أو مواقع إنتاجية أو خدمية لأسباب تتفاوت فى عموميتها ، إنشغل المواطنون بالحياة اليومية و أزماتها المتكررة ، تقدم البعض و إنسحب الأخرون ، وحدهم أصحاب الثورة الحقيقيون – الشباب عمراً و/ أو عقلاً و روحاً – مازالوا يهتفون : أحياناً فى مظاهرة أو وقفة إحتجاجية أو مباراة كرة قدم و دائماً علي مواقع التواصل الإجتماعي – أحد أدوات و مكونات عقل جديد يتشكل ، لكن الأهم من هتافاتهم هنا أو هناك أنهم يصوغون من الثورة فى كل منزل و مدرسة و جامعة و كنيسة و مسجد ، فى كل موقع “أسلوب حياة” ، يبنون ببطء و لكن بثبات “ثورة فى كل شوارع مصر” .

يبدو للكثيرين من كثير من المشاهدات و من ماوصلت إليه الأمور سياسياً و إقتصادياً أن الثورة إنهزمت ، وحدهم أصحابها يبدو أن لديهم يقين أن ثورتهم لم و لن تهزم لأن قائدها هو “عقل جديد شاب” هو موضع القوة و سر حتمية الإنتصار ، عقل حديث تصاحبه روح شابة حرة و معرفة متجددة و أدوات إبداعية و أيضاً دماء طاهرة لشهداء إختاروا الوطن و المستقبل .

يواجه هذا الجيل – و عقله – زمن قديم عجوز عديم الخيال والموهبة و قادة بلا إمكانيات – من أهل الثقة – فى معظم المواقع السياسية و الإجتماعية و حتي الدينية ، و يبدوالعقل القديم عاجزاً عن فهم هذه الأجيال و عقلها و زمنها وسيصبح قريباً عاجزاً عن المواجهة.

يمارس هذا الجيل الشاب نضال يحمل داخله متعة الفعل و الإبداع و المبادرة و أيضاً التلقائية و رد الفعل المبني علي “حدس” مدرب ماهر صقلته المعرفة فصار خداعه شديد الصعوبة فهو قادر علي التمييز بين الجيد و الردئ و الصادق و الكاذب فى أقصر وقت ممكن ، لا تخدعه المظاهر فهو يدرب نفسه دائماً علي رؤية ماورائها .

و لا يمكن الحديث عن هذا الجيل الشاب ومصر جديدة شابة تتشكل معه دون الحديث عن عالم جديد فى طور التشكل هو الأخر أصبح “سياق عالمى” يتحرك فيه الجميع و لا يمكن تجاهل تأثيره ، عالم جديد يدافع شبابه فى كل مكان عن “قيم كونية” ؛ عن الحرية و المساواة و التسامح و قبول الأخر و المسئولية المشتركة و حتي الحفاظ علي البيئة ، يدافعون عن السلام و العدالة ،عن حقوق الـ 99% من البشر الضائعة ، عن الحقوق المتساوية و الكرامة لكل البشر بلا تمييز بين لون أو جنس أو عرق أو دين أو ثروة. قيم هى نفسها ما تدافع عنه الأديان و لكن ليس دائماً من يتحدثون إسمها.

خلق هذا الجيل لنفسه – بعقله الجديد – لغة جديدة و قيم جديدة خرجت من عصر جديد – أسميتها قبلاً “قيم رقمية ” – تم جدلها مع هذه “القيم الكونية” و أيضاً مع “مصر” : البشر و الزمان و المكان ، “مصر” : التاريخ و الحلم ، جدل كل هذا و صنع ثورة ، تتسع فى نعومة – حتى وإن بدت منهزمة أحياناً – ، تصنع تغييرات عميقة بطيئة فى الإدراك و الوعى و المشاعر و التطلعات ، ويبدو أن هذه الثورة تطال “التدين” أيضاً ، يبدو أن هذا الجيل فى طريقه لخلق تدين جديد : ممارسة و خطاب و علاقة مع المؤسسات الدينية و الأخر الدينى ، أصحاب هذا التدين و للمفارقة ليسوا دائماً متدينين !! هذا علي سبيل الملاحظات الأولية…

تحرير 

متابعة مايكتبه الشباب على المدونات و مواقع التواصل الإجتماعى فيس بوك و تويتر و غيرها ؛” تغريدات” و”صور بروفايل” و “إستاتس” و ” نوتس/تدوينات قصيرة” و أيضاً ما يرسمونه “جرافيتي” علي الجدران فى الشوارع تمكننا من ملاحظة أن هناك نمط جديد للتدين يبزغ – يحتاج لبحث “علمي” منظم و جاد لتحديد نطاقه و مداه – ، تدين ؛ أكثر ملائمة لزمنه و إيقاعه ، تدين يرى أن الدين – أي دين يساعد البشر أن يكونوا أكثر حباً للأخر و للحياة – رغم إستعداد سام للتضحية بالحياة ذاتها من أجل الوطن / الحلم – اثبتوه على مدى عام كامل و بمئات الشهداء ، تدين مؤمن و إلي أقصى مدى بـ “الحرية” التي تبدو قيمة مرجعية لا تفاوض عليها و نقطة إنطلاق أساسية لما هو دينى و حياتي وإجتماعى و سياسى أيضاً .

إنه فقه و لاهوت “التحرير” ؛ الميدان/ المكان والقيمة و المُحفز و الحلم : الحرية من كل ما أو كل من يقيد إنسانيتهم و حضورهم و فرديتهم ، تدين تحرر من فكرة الأبوية و التأويلات التقليدية – الإسلامية و المسيحية – التى تتحدث عن حرية هي دائماً مشروطة و مكبلة بتفسيرت ماضوية و طاعة لـ “أولى الأمر” السياسيين أو الدينيين. فقه ولاهوت “تحرير” يرفض فكرة “السمع و الطاعة” و لا يصدق أن “إبن الطاعة تحل عليه البركة”.

الإكراه علي الفضيلة لا يصنع الإنسان الفاضل .. كما أن الإكراه علي الأيمان لا يصنع الإنسان المؤمن فالحرية هي أساس الفضيلة” كلمات للشيخ الغزالى يستعملها شاب كـ “إستاتس” علي فيس بوك و يجب قراءتها بجانب “إستاتس” أخرى تقول ” قدسوا الحرية حتي لا يحكمكم طغاة الأرض و أخرى لشابة تقول لأ مش مطلوب زعيم” و أخر أزهرى يكتب كلمات جمال الدين الأفغانى ” ملعون فى دين الرحمن من يسجن شعباً.. من يخنق فكراً .. من يرفع سوطاً .. من يسكت رأياً .. من يبنى سجناً .. من يرفع رايات الطغيان .. ملعون فى كل الأديان من يهدر حق الإنسان .. حتى لو صلى أو زكى و عاش العمر مع القرأن” ، الحرية وحدها الحرية !!

هذه ليست كلمات فى فضاء إليكترونى و فقط ، إنما تتحول إلي مبادرات و أفعال على الأرض فالأيمان- الفاعل- بالحرية يتحول مثلاً إلي حملة “مفيش جدران” التي أزالت – رمزياً – برسوم جرافيتى “الجدران / السجون”التى بنتها القوات المسلحة و الشرطة فى شوارع وسط البلد ، يتحول هذا الإيمان بالحرية إلي إنشاء حزب جديد لشباب رفضوا الطاعة العمياء فى جماعة الإخوان المسلمين فانشقوا ، و يتحول أيضاً لهتاف ضد العسكر و في حضورهم فى ليلة عيد الميلاد داخل الكاتدرائية المرقسية . بعض قطاعات هذه الأجيال الشابة متدين و بعضها لا و لكن جميعها تقدس الحرية ، غير المتدينين منهم بوصفها قيمة إنسانية عليا لا تستقيم الحياة بدونها و المتدينين بوصفها قيمة دينية وإنسانية عليا.

تحرر من نماذج معلبة للتدين ، سادت فى العقود الأربعة الأخيرة ؛ تدين مسيحى و إسلامى طقوسى مظهرى إستعراضى مهادن يهتم بإظهار التدين فى المظهر أكثر منه فى الجوهر أو السلوك و ينشغل بالحديث عن الفضائل و يترك “أعظم الجهاد كلمة حق عند وجه سلطان جائر” و “أثقل الناموس : الحق و الرحمة و الإيمان” و يستعمل لغة شعاراتية لا تحمل مضموناً حقيقياً و لكنها تحاول خلق حالة من التفوق الوهمى لدى مستقبل الخطاب تلهيه بهذا التدين الشكلي عن رؤية واقعه المتردي و رسالته نحو تغيير هذا الواقع .

يبدو نموذج تدين بعض القطاعات الشابة الصاعدة مفارقاً لهذا النموذج الذى ساد لعقود ، فما هو مظهرى أو ممارساتى لا يهم كثيراً ، ما هو قيمى و جوهرى هو الأكثر أهمية. و الوطن و “أعظم الجهاد” و “أثقل الناموس”يستحقون التضحية حتى بالحياة نفسها.

” و الحق أن أمر اللباس و الهيئات الشخصية و منها اللحية من العادات التى ينبغى أن ينزل المرء فيها على إستحسان البيئة ، فمن درجت بيئته على إستحسان منها كان عليه أن يساير بيئته ، و كان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذاً عن البيئة كلمات وضعها شاب على بروفايله مصاحبة لصورة صاحبها الشيخ محمود شلتوت ؛ “العلامة” كما وصفه الشاب ، و هنا ملاحظتان : الأولى إستعادة إجتهادات شيوخنا الكبار – علماً و مقاماً ووزناً و تأثيراً – رواد مدرسة التدين المصري المستنير و أيضاً القدرة على إنتقاء ما يناسب أسئلة الواقع لجديد ، تدينهم هو إبن زمنه.

تدين متفاعل منشغل بالأخر و المجتمع ، يُمارَس من خلالهما – حتي لو لم يلتزم بما هو فرائضي طقوسى ربك رب قلوب، يُمارَس من خلال خلق واقع أفضل : بداية من حملات تجميل الشوارع و حتى النزول للعشوائيات فى حملات رعاية صحية أو توعية سياسية لا فارق ، لأن الهدف هو ذاته : “التحرير” من المرض أو الجهل أو الظلم أو الإستغلال تحت أى مسمى أو مظهر.

هذا إيمانى .. إن شاء الله الثورة تنجح .. ربنا خلق الإنسان مايرضاش بالظلم يلبس بدلة .. يلبس جلابية ، يربى دقنه .. يحلق دقنه ، يلبس عسكرى .. يلبس مدنى ، الظلم ظلم و حيتهزم ” : هذا إيمانهم …

المؤسسات الدينية و خطابها

الجيل الشاب و عقله واجهوا خطاب دينى ولد و عاش فى زمن إنتهى ، فأسئلة و إجابات الخطاب الدينى الرسمي الحالي – الإسلامى و المسيحى – لا تخص زمنهم و لا تتفق مع وجدانهم ومشاعرهم و قيمهم. لذا فمواقفهم تراوحت بين “التخلى عن .. ” أو التوحد بـ .. ” ؛ رفض كامل أو تصديق مطلق ، هكذا كان التصور السائد عن موقف الأجيال الشابة من المؤسسات الدينية و خطابها.و ربما كان هذا صحيحاً فى الشرائح السنية الأكبر من هذه الأجيال الشابة و لكن يبدو أن الرعيل الأحدث من هذه الأجيال يرفض الموقفين : “التخلى عن” و”التوحد بـ” ، يبدو أنهم سيخلقون واقعاً جديداً يقوم علي الندية مع هذه المؤسسات ، أداته عقل ناقد لا قدسية لديه لأحد و هدفه “محو” ما هو سئ لا “إصلاحه” ، إذا قامت المؤسسات الدينية بدورها ساندوها و إذا أخطأت نقدوها و قاوموها ، و نقدهم لاذع و مقاومتهم صلبة . أنماط جديدة للعلاقات مع المؤسسات الدينية تتشكل بدأت إرهاصاتها و مؤشراتها تظهر ، منها مثلاً الموقف النقدي لقطاعات من الشباب المصرى المسيحى لمواقف المؤسسة الكنسية الأرثوذكسية فى عام الثورة 2011 ثم وصول هذا النقد لأعلى درجاته فى عيد الميلاد2012 و إستقبال الكنيسة لأعضاء من المجلس الأعلى للقوات المسلحة لتهنئة الأقباط بالعيد بعد شهور قليلة من أحداث ماسبيرو. و أيضاً النقد لبعض مواقف الأزهر و بعض رجاله و لبعض الدعاة – القدامى منهم و الجدد -فى مواقف عدة فى نفس العام ثم فى لحظة الدعوي للعصيان المدنى فى فبراير 2012. هنا يبدو أن الشرائح الشابة الأصغر سناً ستضغط على المؤسسات الدينية فى إتجاه مواقف تنحاز إلى الوطن لا النظام و إلي الناس لا الحكومة . تؤمن الأجيال الشابة أن الدفاع عن الحق و العدل و الحرية و الخير و المساواة و المواطنة ، هو الدور الذى يجب أن يلعبه الأزهر و الكنيسة ، لا الأدوار السياسية التى إعتادت المؤسستان أداؤهم منذ عقود فى مساعدة النظام أو أحياناً خدمته. يتكرر النموذج ذاته ؛ أفكار يتم تداولها فى الفضاء الإليكترونى تتحول لفعل مؤثر فى الواقع ، مثلاً مجموعة – واحدة من عدة مجموعات – تظهر علي فيس بوك قبيل عيد الميلاد 2012تسمي “قبطى/ة أرثوذكسي/ة و أرفض دعوة العسكر لقداس عيد الميلاد” و تستعمل فى صورة البروفايل للمجموعة أية من الإنجيل ” بيته بيت الصلاة يُدعي” تكملة هذه الأية – لم تكتب و لكن تعرفها المؤسسة بالقطع – تقول “و أنتم جعلتموه مغارة لصوص” ، إشارة عنيفة و رفض صارم لزيارة العسكر ، يتحول الرفض فى الفضاء السيبرى لشباب يهتف داخل الكاتدرائية و أثناء قداس العيد “يسقط يسقط حكم العسكر” ، كتب أحدهم قبلها بدقائق على تويتر من هاتفه المحمول من داخل الكاتدرائية هاهتف يسقط يسقط حكم العسكر حتى لو هتفت لوحدى ، ربما كانت هذه المرة الوحيدة التى يسمع فيها قيادات المجلس العسكرى هذا الهتاف بأذانهم مباشرة و هى أيضاً بالقطع الحادثة الأولى من نوعها أثناء قداس العيد الذى إعتاد من يحضروه التصفيق لكل من يمثل الدولة ، هنا القيمة الرمزية و الدلالية للفعل قد تكون أكبر بكثير من الفعل ذاته ؛ الثورة على كل سلطة سياسية أو دينية ، سقوط “تابوهات” ، الدفاع عن الحق فى أى موقف و فى أى مكان : الميدان أو الكنيسة لا فارق ، و أيضاً إحراج المؤسسة و دفعها إلى مراجعة مواقفها فلم تعد الموائمات و مهادنة النظام مجانية.

“أزهريون بلا حدود” و”إئتلاف شباب الأزهر” أسماء لصفحات علي فيس بوك لنفس الأجيال الشابة التي تشتبك فى كل قضايا الوطن و لكنها أيضاً تراقب المؤسسة التى تنتمى إليها و تدفع بها فى إتجاه الإنحياز لنفس القيم التى هتف من أجلها زملائهم فى الكاتدرائية المرقسية ، فهي تنتقد موقف الأزهر فى رفضه لدعوة العصيان المدنى فى 11 فبراير بل و تكتب علي صفحتها عن ” تأصيل الإعتصامات و العصيان المدنى و المظاهرات فى الشريعة الإسلامية ، مرة أخرى مواقف تنحاز إلي “أعظم الجهاد ” و “أثقل الناموس” و أيضاً تصوغ نمط جديد للعلاقة مع المؤسسات الدينية و تهتف بأفعالها : لابد من إنحيازات واضحة للوطن و للناس ،إعادة إنتاج أدوار تهادن النظام لم يعد إختياراً ، لابد من تأويل جديد للنصوص و التراث ، لابد من إجتهادات حقيقية تنفك من أسار عقل تكون فى ماض بعيد ، لابد من خطاب دينى جديد – مسيحى و إسلامي – فيه من الديناميكية ما يمكنه من إستيعاب التغير بشكل يومي و إنتاج فقه و لاهوت متجدد يستطيع إجابة أسئلة الزمن الجديد وهى في غاية الصعوبة لمن إعتادوا النقل و النبش فى الماضى.

المأزق حاد ، المؤسسات الدينية أو من يتحدثون بإسمها عجزوا عن ملاحقة كل هذا و تكوين تصور جديد للحياة و لعلاقة الإنسان بالله والوطن و الأخر و الكون ، تصورشامل تنتظم فيه المتغيرات الجديدة و يكون قادر علي إقناع عقول و وجدان و مشاعر و حدس هذه الأجيال الشابة .مازالت المؤسسات الدينية وخطاباتها غير قادرة علي تقديم إجابات لأسئلة الزمن الجديد من أول “العنف ” و كيف يمكن تعريفه اليوم و حتى القضايا التى فجرتها ثورة الهندسة الوراثية. لم تقدم الخطابات الدينية أطر قيمية قادرة أن تقف فى وجه إقتصاد “نيوليبرالى” يزيد الأغنياء غني و يزيد الفقراء فقرا ً ، سياسات تبناها النظام السابق ، و يبدو أن بعض القوي السياسية المدنية و الدينية – و رموزها – تحاول إعادة إنتاجها ، نظام إقتصادي يكرس شبكات الإمتيازات المغلقة و قيم الإستغلال و الإستهلاك و تشيئ البشر لم تواجهه المؤسسات الدينية أو خطاباتها. لم تقدم المؤسسات الدينية أطر قيمية تنادى بالعدالة و تستطيع أن تقف فى وجه الظلم ، بل المحزن أن من تحدثوا بإسمها فى مواقف عدة ربما يكونوا مشاركين في تكريس الظلم. مرة أخرى لم يعد هذا إختياراً ، فأبناء الزمن الجديد مصرين ألا يعود الزمن للوراء ، مصرين على وجود إجتهادات دينية جديدة للخروج من المأزق الحالى للمؤسسات و خطابها ، إجتهادات قادرة على تلبية ذلك الجزء الروحانى داخل البشر بدون تحويله إلى “تابو” ، إجتهادات تستطيع أن تقف في وجه الظلم والقهر و الإستغلال ، إجتهادات تبشر بإنسانية الإنسان و تناضل من أجلها و من أجل وطن حر و إلا فتطور”داروينى” ينتظر من يعجز عن مواكبة زمنه من تلك المؤسسات.

مينا دانيال و عماد عفت

“كلنا عماد عفت ” و “كلنا مينا دانيال ” صفحتان علي فيس بوك ، أسمان و أيقونتان للوطنية و رمزان لتعايش و تفاعل و ” فعل مواطنة” يشترك أصحابها بغض النظر عن دينهم فى الإيمان بنفس القيم مما يجعلهم قادرين علي التفاعل العميق و الحقيقي فيما بينهم علي عكس أنماط أخرى سادت فى العقود الأربعة السابقة كان التقارب فيها شكلى فى أحيان كثيرة و كاذب فى أحيان أخرى كثيرة أيضاً ، و كان التعايش “تجاوراً” لا “إندماجاً”، هنا يتجلى فقه و لاهوت “التحرير” ، هنا يخلق أبناء “التحرير” – متدينين أو لا – تعايش و تفاعل و إندماج بين كل ألوان الطيف المصري ‏، ‏ألوان تتداخل معاً فى ميدان / فضاء إليكترونى واحد ، تتحاور وتتواصل معا بالرغم من التناقضات والتباينات و التحيزات‏ ، من أجل الأحلام المشتركة ، من أجل وطن حر حديث متقدم ، من أجل تجاوز الهموم المشتركة ، من أجل إسقاط النظام ‏أو صنع الجمهورية الثانية .

التنوع قوة ، إنها إستعادة لواحدة من نقاط عبقرية مصر و خصوصيتها : تنوعها المركب ، الوطن للجميع ، هنا الإختلاف بداخل هذه الهوية المركبة ليس منة من أحد بل هو حق أصيل للجميع و بلا أى نوع من التمييز ، ليس من حق أحد أن يستأثر بالمجال العام أوالفضاء الإليكترونى ، لا أحد هو “صاحب الوطن ” و الشارع لنا  بغض النظر عن أى إنتماءات ضيقة أو قناعات أضيق ، مصر للجميع لا يحق لطرف نفى أى فرد إرتكازاً على أفكاره أو قناعاته أو دينه أو عقيدته مهما كانت درجة إختلافها أو تناقضها مع أى جماعة داخل المجال العام ، هذا هو إيمان من يتفاعلوا يومياً – مسيحيين ومسلمين – علي صفحات ” مينا دانيال” و “الشيخ عماد عفت” و “خالد سعيد “، إيمانهم المشترك بالحق و العدل و المساواة و الوطن أكبر كثيراً من إختلافاتهم ، صور مينا دانيال و عماد عفت المتداخلة على صفحات فيس بوك أو على جدران المبانى فى وسط البلد و علي اللافتات فى المظاهرات و أسمائهم المتداخلة فى الأغانى التى يغنيها الجميع – مسلمين و مسيحيين – فى الميدان الحقيقي أو التخيلى ، “جرافيتى” الشيخ عماد عفت علي جدار الجامعة الأمريكية بزيه الأزهرى و عمامته، بالأجنحة الملائكية و مكللاً بالهالة المميزة لأيقونات الشهداء المسيحية و بجانبه كتب ” و قالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا و كبراءنا فأضلونا السبيلا ، ربنا أتهم ضعفين من العذاب و العنهم لعناً كبيراً – سورة الأحزاب” ، هذا التداخل يعلن أنهم مصريون أولاً و أن هذا هو المستقبل ، مصر ستعود “أولاً” علي يد هذا الجيل ، هؤلاء و من سيأتوا بعدهم من ثوار من غير بطاقة  هم الرهان و الحصن الأخير.

نعم المهمة صعبة و الإرث ثقيل ، نعم حجم التشوه الذى حدث فى العقود الماضية كبير و لكن الكثيرين منهم”إيمانهم” أن ينتصروا للحق و العدل و الخير و الجمال و المستقبل ، أن يتمنوا الخير و الحياة و السعادة للأخر بغض النظر عن لونه و جنسه و عقيدته فقط لكونه إنسان. أن ينصروا الوطن ، أن يستعيدوه من بين براثن الظلم و الكراهية و الجهل.

إنه فقههم و لاهوتهم ، إنه فقه و لاهوت “التحرير” و أجياله …

Advertisements

0 Responses to “التحرير ” .. فقه و لاهوت أيضا” بقلم هاني فوزي”



  1. Leave a Comment

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s





%d bloggers like this: