د. يوسف زيدان يكتب:المزيج السكندرى البديع

في سلسلة من سبع مقالات اسبوعية كتب د يوسف زيدان مجموعة مقالات بعنوان “المزيج السكندرى البديع” دأبت على جمعها و قررت مشاركتكم فيها بنشرها كاملة على المدونة

(1/7)


الهرمسية

٩/ ٦/ ٢٠١٠

اشتكى لى القراء من صعوبة مقالتى السابق (التواصل التراثى) ولم يشفع عندهم أنها كانت افتتاحية المؤتمر الدولى السابع لمركز المخطوطات، الذى انعقد قبلها بأيام تحت عنوان المقالة.. لخصت الأمر، شفاهةً، لبعضهم بأن المراد من المقالة هو تبيان أن تراثنا العربى/ الإسلامى، أثَّر فى الزمن اللاحق به (النهضة الأوروبية) لكنه أيضاً، تأثر بتراث الأزمنة السابقة عليه.

فلما استحسنوا هذا المختصر (المفيد) تذكرتُ النكتة التى تقول إن اثنين من (الفقها) اجتمعا حول طعام لذيذ، فأراد أحدهما أن يشغل صاحبه عن الأكل، فسأله أن يحكى له قصة سيدنا يوسف.

فقال صاحبه، دون أن يتوقف عن الأكل: أبداً، طفلٌ تاه ثم وجدوه.. (بالمناسبة: النكتةُ فى فصيح اللغة العربية تعنى، الدقيقُ من القول! ونكَتَ معناها: أشار). وقد ذكرنى هذا الأمر بنصيحة المرحوم الدكتور أبوالوفا الغنيمى التفتازانى، الذى كان رئيساً للمجلس الأعلى للطرق الصوفية، ونائباً لرئيس جامعة القاهرة.

فقد قال لى أثناء مناقشته رسالتى للماجستير عن الفيلسوف الصوفى (العميق) عبدالكريم الجيلى: لديك قدرة على تبسيط الأفكار العميقة المعقَّدة وتقديمها بشكل سهل، فحافظ على ذلك فى المستقبل، لأنه مهمٌ لمن سيقرأون ما تكتب!

ولسوف أحفظ تلك الوصية، فى هذه السباعية التى تبتدئ اليوم –بقدر المستطاع- حيث سأعرض فيها للتيارات والاتجاهات الدينية التى عاشت بالإسكندرية القديمة، حتى تمت تصفيتها (جسدياً ومعنوياً) عامىْ ٣٩١، ٤١٥ ميلادية.. وأبدأ اليوم بالهرمسية، وأنتهى فى المقالة السابعة ببيان دلالة هذين العامين المذكورين (٣٩١- ٤١٥) وما جرى فيهما من أهوال قضت على مجد الإسكندرية القديم، وشوَّهت المزيج السكندرى البديع الذى صاغته المدينة، والعالم كله، خلال قرون طويلة.

الهرمسية اتجاهٌ روحىٌّ ذو صبغةٍ دينية (إنسانية) يُنسب إلى شخص أسطورى هو «هرمس الهرامسة» أو «هرمس ثلاثى العظمة».. وهو ثلاثىٌّ، أو مثلثُ العظمة، لأنه ظهر فى ثلاثة تراثيات كبرى، بثلاثة تجليات! فهو عند المصريين القدماء (أخنوخ) وعند اليونانيين القدماء (إرميس) وعند المسلمين (إدريس).. وقد أخذ اليهود الاسم المصرى القديم، وألحقوا بالتوراة سفراً بعنوان (أخنوخ) كان موجوداً بمصر ومتداولاً بها فى القرن الثانى الميلادى، ثم اختفى ولم يوضع ضمن أسفار (العهد القديم) التى يقدسها اليوم اليهود والمسيحيون على اختلاف مذاهبهم وكنائسهم.

وهناك رأىٌ آخر يقول، إن هرمس يلقب بالمثلث (باليونانية: تريسى مجستوس) لأنه كان شخصاً فعلياً يجمع بين ثلاث صفات نبيلة: نبىٌّ وملكٌ وحكيم! وقد طاف فى العالم القديم، فعرفه الناسُ بأسماء عدة بحسب اختلاف الأمكنة.. بينما يقرِّر آخرون، أنا منهم، أن شخصية هرمس هى مزيجٌ أسطورى قديم، من شخصيات أقدم (حقيقية وخيالية) هى: تحوتى المصرى، بوداسف الفارسى، أمونيوس ساكاس اليونانى، بلنياس الحكيم السكندرى.

وقد وصلَنا من بلنياس الحكيم، باللغة العربية، كتابٌ من أهم الأعمال الهرمسية (إن لم يكن أهمها على الإطلاق) هو كتاب «سر الخليقة وصنعة الطبيعة» جاء فى بدايته أن الذى ترجمه للعربية، هو القسُّ سرجيوس الرأسعينى (من بلدة: رأس عين) ولسوف نختتم مقالتنا هذه، ببعض فقرات من هذا الكتاب العجيب.. لكننا سنتعرف أولاً على طبيعة الهرمسية.

ظهرت الكتابات المسماة (المجموعة الهرمسية) فى القرن الميلادى الأول، وكان ظهورها المكثف فى الإسكندرية التى كان مزاجها التمازجى البديع، يناسب النـزوع (التوفيقى) الذى يظهر فى هذه الكتابات.. ولكن الهرمسية لم تكن محدودة بالإسكندرية، فقد كان للهرمسيين تجمعات (سرية) فى عديد من المدن القديمة، ومنها ما هو فى صعيد مصر.

وقد احتوت مجموعة (مخطوطات نجع حمادى) الشهيرة، التى اكتشفت بالصدفة سنة ١٩٤٥، على عديد من الرسائل والكتابات الهرمسية، مع (إنجيل توما) المتنازع حالياً فى شأن المطالبة برجوعه من أمريكا إلى مصر! زاهى حواس يسعى لاسترداده، وبعض رجال الكنيسة المرقسية (الأقباط) لا يريدون عودته!

وفى الكتابات الهرمسية المبكرة، يظهر امتزاج النـزعة الصوفية للهرامسة، مع العناية بعلم الكيمياء الذى كان فى الزمن القديم مرتبطاً بالسحر، مع الاهتمام بعلم الفلك الذى كان آنذاك مرتبطاً بالتنجيم.. وبالمناسبة، فإن علم الفلك لم يتخلص من (التنجيم) إلا حين ارتبط بالرياضيات، ولم تتخلص الكيمياء من السحر (والشعوذة) إلا حين تخلت عن فكرة تحويل المعادن الخسيسة، كالحديد والنحاس، إلى معادن نفيسة كالفضة والذهب.

وفى الكتابات الهرمسية المبكرة، تظهر بقوة النـزعة التوحيدية. وفى كتاب (زجر النفس) المنسوب لهرمس، تأكيدٌ كبير على «التوحيد» وعلى أنه السبيل الوحيد للمعرفة والعلم والتحقيق. وترى الهرمسية أن تعدُّد الآلهة سخافةٌ، وإنكار التوحيد هو أكبر مرض يصيب النفس الإنسانية. مع أن إدراك الإله الواحد، صعبٌ، وفهمه والكلام عنه مستحيل.

والله عند الهرامسة منـزهٌ عن العالم المادى/ الجسمانى، يجلس على قمة السماء، لكنه يتجلى فى كل الموجودات من دون أن يحتويه شىء، مع أنه يحتوى الأشياء كلها. وقد صنع الله العالم، فى المذهب الهرمسى، عن طريق الكلمة (اللوجوس) ليكون الله مرئياً فى مخلوقاته.

والإنسان هو مقياسُ الكون وأبدعُ المخلوقات، وهو قسمان أساسيان: الجسم والنفس.. ونفس الإنسان هى «ابنة الله» التى يعتقلها الجسم المادى المحسوس، مع أنها ليست مادية ولا محسوسة.

وهى جوهرٌ روحانىٌّ شريف، يستطيع بالتجرُّد عن شهوات الجسد، وبالطقوس التطهيرية؛ أن يستطلع العالم العلوى (الإلهى) ويستشرف الأفق السرمدى، ويصير كالملائكة .

وتؤمن الهرمسية بتناسخ الأرواح، فالأشخاص الذين عاشوا حياتهم بشكل ردىء، تعود أرواحهم فى أبدان المواليد، لتحيا من جديد وتتطهَّر من المساوئ السابقة.. وتظل الروح تتناسخ فى الأبدان، حتى تخلص فى نهاية الأمر من خطيئتها.

يكفى هذا.. ولنختتم مقالتنا بفقرات مختارة من كتاب (سر الخليقة وصنعة الطبيعة) وهو نصٌ ظل إلى يومنا مخطوطاً، توجد منه بعض النسخ الخطية القليلة. منها هذه المخطوطة التى كُتبت قبل ألف سنة، بالعربية، وتوجد اليوم فى مكتبة جامعة (أوبسالا) بالسويد !

«الآن أبيِّن لكم اسمى، لترغبوا فى حكمتى وتتفكروا فى كلامى.. أنا بلنيوس الحكيم، صاحب الطلسمات والعجائب، أنا الذى أوتيت الحكمة من مدبِّر العالم.. كنتُ يتيماً من أهل طوانة (تيانا) لا شىء لى، وكان فى بلدى تمثالٌ متلوِّن بألوان شتى، وقد أُقيم على عمود من زجاج، مكتوب عليه بالكتاب الأول (اللغة القديمة): «أنا هرمس المثلَّث بالحكمة، عملت هذه الآية جهاراً، وحجبتها بحكمتى، لئلا يصل إليها إلا حكيم مثلى. ومكتوب على صدر ذلك العمود، باللسان الأول: من أراد أن يعلم سرائر الخليقة وصنعة الطبيعة، فلينظر تحت رجلىَّ.. فلم يأبه الناسُ لما يقول، وكانوا ينظرون تحت قدميه فلا يرون شيئاً.

وكنتُ ضعيف الطبيعة لصغرى، فلما قويتْ طبيعتى، وقرأتُ ما كان مكتوباً على صدر ذلك التمثال، فطنتُ لما يقول، فجئت فحفرت تحت العمود. فإذا أنا بَسَربٍ (سرداب) مملوء ظُلمة، لا يدخله نورُ الشمس.. دخلتُ السَّرَب، فإذا أنا بشيخٍ قاعد على كرسىٍّ من ذهب، وفى يده لوحٌ من زبرجد أخضر مكتوب فيه: هذا سرُّ الخليقة وعلم علل الأشياء. فأخذت الكتاب واللوح مطمئناً، ثم خرجتُ من السَّرَب، فتعلَّمت من الكتاب علم سرائر الخليقة، وأدركتُ من اللوح صنعة الطبيعة.. وعزمتُ على شرح جميع العلل فى جميع الخلْق. وأخبركم أيضاً أنِّى إنما وضعت هذا الكتاب وأجهدت نفسى فيه، لأحبائى وخاصتى من نَسْلى.

فالآن أقسم وأُحلِّف من سقط إليه هذا الكتاب (وصل إليه) من ولدى وقرابتى، أو ذوى جنسى من أولاد الحكماء، أن يحفظوه مثل حفظ أنفسهم، ولا يدفعوه إلى غريب أبداً. والحلف واليمين بالله الذى لا إله إلا هو.. ألا تغيرِّوا كتابى هذا، ولا تدفعوه يا وُلدى إلى غيركم، ولا تُخرجوه من أيديكم. فإنى لم أدع علماً قلَّ أو كثر، مما علَّمنى ربى؛ إلا وضعته فى هذا الكتاب، ولا يقرأ كتابى هذا أحدٌ من الناس، إلا ازداد علماً واستغنى عما فى أيدى الناس.. والله الشاهدُ على مَنْ خالف وصيتى، وضيع أمرى».

ولن يتسع المقام هنا لوصف الكتاب أو تلخيصه، بل تضيق المساحة عن سرد عناوين فصول هذا الكتاب العجيب.. لذلك سوف نكتفى فيما يلى بذكر (بعض) هذه العناوين الجانبية فى المخطوطة:

القول فى التوحيد.. فى بدء كون العالم.. الردّ على من عَبَدَ النيران والنجوم والطبائع.. ذِكْر الكواكب السبعة.. القول فى حركة الكواكب الأولى.. القول فى الرياح، والليل والنهار، وعلة دوران الفلك.. القول فى المعادن والنبات والحيوان.. لِمَ تناثر ورق الشجر، لِمَ لَمْ يتناثر بعض ورق الشجر.. لِمَ صار فى النبات ماءٌ أبيض مثل اللبن.. لِمَ صار للطير مخالب، ومناقير، وريش.. لم صار الطير يبيض.. لِمَ صار للسمك قشورٌ مدورة.. لِمَ صار السمك الذى لا قشور له أسود، وما كان له قشور فهو أبيض.. لِمَ صارت خلقة الإنسان مستوية، وصار رأسه مدوراً.. لِمَ صار الذكرُ خارجاً إلى خارج.. لم صار الرحم فى المرأة.. لِمَ كان فى الفم الأسنان.. القول فى ثدى المرأة.. القول فى كون الإنسان.. القول فى ازدواج الطبائع.. القول فى غذاء المولود.. إلخ .

وقد ظهرت هذه النـزعة الهرمسية فى تراثنا العربى الإسلامى، بعدة أشكال وتجليات. أهمها وأنصعها، ما نراه فى مجلدات الموسوعة العلمية العجيبة، المسماة: رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا.. وبالمناسبة، فإن (إخوان الصفا) جماعة سرية، لم يكشف أعضاؤها عن أسمائهم وهويتهم، مع أن رسائلهم انتشرت انتشاراً واسعاً خلال الألف سنة الماضية.

(2/7)

اليهوديةُ المسالمة

١٦/ ٦/ ٢٠١٠

للديانة اليهودية وجهان، الأول عنيفٌ قاسٍ والآخر هادئٌ مسالم. يظهر ذلك فى كتب اليهود المقدسة (التوراة- أسفار الأنبياء- أسفار المكتوبات)، حيث تمتلئ هذه الكتب بالنقيضين: العنف والسِّلم! ففى بعض المواضع تأتى النصوصُ متباهيةً بسفك الدم وإبادة اليهود لغير اليهود، وفى مواضع أخرى تدعو النصوص إلى الفضائل والتشبُّه بالإله الرحيم العالى..

وفى التاريخ اليهودى العام، نجد هذين الوجهين أيضاً، ففى بعض الأزمنة يقتل اليهود الناس ويقتلهم الناس (حروب يهوشع بن نون، السبى البابلى، الثورة اليهودية على الرومان، تحطيم الرومان لأورشليم وتشتيت اليهود، مقتلة اليهود الكبرى على يد المسيحيين سنة ٦٢٨ ميلادية، الفتك النازى باليهود والشواذ جنسياً، خلال الحرب العالمية الثانية، حروب اليهود والعرب فى أيامنا الجارية..)

وفى المقابل من ذلك، يحفل الزمن اليهودى بأزمنةٍ عديدة سادت فيها المسالمة والدعةُ والهدوءُ، منها: الاستقرار اليهودى المؤقت فى فلسطين بعد العودة من السبى البابلى، الحياة اليهودية الناعمة فى ظل دولة المسلمين بالأندلس، المملكة اليهودية المسماة القبيلة الثالثة عشرة فى وسط آسيا، القبول العباسى لليهود فى بغداد ومدن الإسلام..).

لكن اليهود، واليهودية عموماً، لم تعش طيلة تاريخها زمناً مفعماً بالسلام والمحبة، مثل زمانها البديع بالإسكندرية.. وهو زمانٌ له قصةٌ طويلة، سوف نشير فيما يلى للوقائع الأهم فيها.

بعدما استقرت الإسكندرية بيد البطالمة (البطالسة) بعد وفاة الإسكندر، المفاجئة، فى بابل سنة ٣٢٣ قبل الميلاد (أى ميلاد المسيح المختلف فى سنة مولده!) جاء بطلميوس الأول بجثمان الإسكندر، ودفنه فى مزار كبير بالإسكندرية. وهو المزار الذى ظل قائماً بعد ذلك بقرون، وكان كبار الشخصيات فى العالم، ومنهم يوليوس قيصر، يحرصون على زيارته إذا جاءوا إلى الإسكندرية..

المهم، أسس بطلميوس الأول وأسرته التى حكمت من بعده الإسكندرية ومصر، لعدة قرون، حتى انتهى الزمن السكندرى البطلمى بهزيمة الملكة البطلمية كليوباترا السابعة، ابنة بطلميوس الثانى عشر (الملقَّب بالزَّمَّار، لانتفاخ خديه كما الزمّارين)، نهجاً سار عليه معظم البطالمة، الذين كانوا يحيون فكرة الإسكندر، وروح مدينة الإسكندرية، الساعية إلى إقامة مجتمع إنسانى متنوع، رفاهى، مستنير.. ومع هذه الفكرة، وتلك الروح، عاشت المدينة قروناً كعاصمة علمية وثقافية وروحية للعالم القديم.

وفى هذا الإطار، أحيا البطالمة الديانة اليهودية التى كانت مؤهلة للاندثار، حين استقدموا من أورشليم (إيليا، القدس) اثنين وسبعين عالماً من أحبار اليهود، واستضافوهم فى المدينة كى يترجموا التوراة من اللغة العبرية التى ما كان يعرفها آنذاك إلا قلَّةٌ قليلة، إلى اللغة اليونانية التى كانت لغة العلم والمعرفة والفكر والتجارة الدولية.. وقد عُرفت هذه الترجمة السكندرية باسم (الترجمة السبعينية للتوراة) فى إشارة إلى عدد الأحبار الذين أنجزوها! ولم تُدعى بالترجمة السكندرية، ولا الترجمة البطلمية، ولا الترجمة المصرية، ولا الترجمة الناصرية!!.. فتأمل.

ولما أحسن البطالمةُ لليهود، وأباحوا لهم التعبُّد بديانتهم وبناء المعابد، مثل غيرهم من أصحاب العبادات والديانات.. تقاطر اليهود على الإسكندرية، وبقية المدن المصرية، والمدن الخمس الغربية (ليبيا) التى كانت جميعها آنذاك تابعة للإسكندرية.

وعاشت اليهودية قروناً سكندريةً فى سلام، حتى كادت تبهت وتضمحلُّ وتنسى جانبها التوراتى العنيف (ولهذا الأمر تفصيل يطول، ويضيق المقام هنا عن شرحه). ثم طفرت اليهودية وتطوَّرت، على يد الفيلسوف السكندرى الكبير، يهودى الأصل: فيلون السكندرى، الذى اشتهر بين أهل زمانه، فى النصف الأول من القرن الأول الميلادى، وكان يعرف التوراة من خلال الترجمة السبعينية، اليونانية، ولا يجيد مثل بقية اليهود آنذاك، اللغة العبرية التى انطمرت. ولأن فيلون كان فيلسوفاً، ولأن قصص التوراة فيها ما لا يمكن للعقل قبوله، ولأن الأجواء كانت مؤاتية.. فقد شرح فيلون السكندرى التوراة، وتأوَّلها تأويلاً رمزياً بحسب ما كان سائداً فى زمانه من فلسفة أفلاطون. فأعطى هذا التأويل الرمزى للتوراة، حياةً جديدة للديانة، وجعلها مقبولةً ضمن مكونات المزيج السكندرى البديع، السائد فى المدينة آنذاك.

كما تولَّى فيلون رعاية مصالح اليهود، وسافر من الإسكندرية إلى روما لعرض مطالب اليهود وشكاواهم من حاكم الإسكندرية (فلاكوس) على الإمبراطور كاليجولا. وهو ما يدل على مكانة هذا الفيلسوف بين يهود الإسكندرية فى زمانه، كما يدل على العلاقة المتوترة التى كانت بين الإمبراطور الرومانى ويهود ذاك الزمان (كان كاليجولا يريد أن يعبده الناس كإله!).

وبعد قرابة قرنين من الزمان، بعد فيلون، قام الفيلسوف السكندرى أوريجين (أوريجانوس) بعملٍ مماثل، ولكن فى إطار الديانة المسيحية التى كانت آنذاك وليدة، لم تتشكل بعدُ ملامحها ولا مذاهبها التى ستعرف لاحقاً باسم الكنائس: الكاثوليكية (الجامعة) الأرثوذكسية (السلفية) الكلدانية الآشورية (النسطورية)، البروتستانت، الإنجيلية.. وغير ذلك كثيرٌ من المذاهب والكنائس.

ولسوف نتحدث عن أوريجين السكندرى، وأستاذه كليمان (كليمنتوس) وغيرهما من آباء الإسكندرية المؤسسين، فى مقالة قادمة من هذه السباعية، هى المقالة التى ستأتى بعنوان: الغنوصية.. أما الآن، فلنقترب أكثر من فيلون، لنرى كيف تأسست فى الإسكندرية، اليهودية المسالمة التى أعطت للمزيج السكندرى القديم، طابعه البديع.

.. مازجاً بين أصول اليهودية وأسس الفلسفة الأفلاطونية، وضع فيلون مؤلفات كثيرة لا يمكن هنا عرضها تفصيلاً، ولذلك فلسوف نكتفى فيما يلى ببعض أفكاره المحورية، التى انتشرت من بعده واستقرت فى الأذهان.

يرى فيلون أن الفلسفة والدين، كليهما، يؤديان إلى المعرفة الحقة بالإله. وهما لا ينفصلان، لأن الفلسفة هى التى تشرح الدين! فالنصُّ الدينى رمزىٌّ بطبيعته، وبالفلسفة يمكن لنا أن نفهم هذه الرموز.. ولم يكن فيلون، فى ذلك، يأتى بجديدٍ أو مختلفٍ عما كان فلاسفة ومفكرو الإسكندرية يقولون به. فهذه (الرؤية) ذاتها، نراها سائدة عند كثيرين من أصحاب المذاهب والديانات آنذاك.

ومن تأويلات فيلون للتوراة ما يذهب إليه من أن (آدم) هو رمز العقل الإنسانى الموهوب من الإله، بينما (حواء) هى رمز الحس المادى واللذة التى قادت الكبرياء (قابيل) إلى قتل الفضيلة (هابيل).. وعندما تصف التوراة «الله» بأنه تعالى: إله إبراهيم وإسحق ويعقوب! فهذا لا يعنى أن الله تقتصر ألوهيته على هؤلاء الثلاثة، دون بقية البشر! وإنما هى، حسبما يقرِّر فيلون، إشارة إلى ثالوث المعرفة بالله (العالم، الطبيعة، الزهد).. وعندما تشير التوراة فى مستهل سفر التكوين، إلى خَلْق الله للعالم، فإن ذلك يعنى عند فيلون: اللوجوس أو الكلمة أو الوسيط. وهو كائنٌ وسيطٌ بين الله والعالم، كأنه من الملائكة، يقوم بمهمة الوصل بين الله (المتعالى، اللامادى) والعالم الأرضى المحسوس.

وعن الصلة بين هذا الفكر الدينى اليهودى (السكندرى) وغيره من التيارات الفكرية والروحية التى كانت بالإسكندرية، يقول مؤرِّخ الفلسفة الكبير: إميل برييه، فى كتابه الشهير (تاريخ الفلسفة) إن الهرمسية، التى تحدثنا عنها فى مقالة الأسبوع الماضى، كانت لها آثار قوية فى تطوير فلسفة فيلون، والمزج بينها وبين الديانات الشرقية، ومنها اليهودية. وهو ما يظهر بوضوح عند فيلون الذى قرَّر أن اللوجوس (الكلمة، الوسيط) هو ابن الله، الذى يرى فيه الله نموذج العالم، وعلى مثاله يخلق الله العالم.. ويقول برييه فى مقال له عن (فيلون) حسب ما يؤكده الزميل د. مصطفى النشار فى كتابه (مدرسة الإسكندرية الفلسفية) ما نصُّه :

«إن الفلسفة تعلِّمنا الورع، والفضائل هى قرابين خالصة لله». بهذا الفهم حلَّق فيلون، عبر الفلسفة اليونانية وفلسفات الشرق.. وتلك العبادة الروحية التى قال بها فيلون، هى ميراثٌ بعيدٌ من كتاب الموتى (يقصد كتاب: الخروج إلى النهار!) الذى هو أساس العقائد الدينية فى مصر القديمة، وعلى الأخص فى الفصل المتعلِّق بمشهد الحساب (يقصد: أن اليهودية المبكرة لم تعرف فكرة يوم الحساب) ففى هذا الفصل توجد الفكرتان اللتان تكتمل بهما فلسفة فيلون التى هى عبارة عن: تطهُّر أخلاقى، وتحوُّل الإنسان إلى كائن إلهى..

فالمتوفى فى العقيدة المصرية القديمة، ينتظر الحساب أمام أوزوريس (يقصد: الإله أوزير، رب العالم الآخر) وبعد اجتيازه محنة الحساب، يصبح المتوفى ممثلاً لله ويكتسب قوة الكلمة الخالقة. وهذا يطابق ما جاء فى نصٍّ غامض لفيلون، يقول فيه: «العقلُ المطهَّرُ، هو وحده القادر على حمل اللوغوس الإلهى».

ومن الزمن السكندرى، لم يتوقف عطاء «اليهودية المسالمة» على ما قدمه فيلون فى مزيج توفيقى بين الدين والفلسفة. وإنما ازدهر أيضاً الفكر الصوفى اليهودى، المعروف بالقَـبَّالة (الكابالاه)، وشارك اليهود فى الأنشطة التجارية التى كانت رائجة آنذاك بشكل كبير، لم يعرفه العالم القديم فى مدينة الإسكندرية..

كما طوَّر اليهود فنوناً خاصةً بهم، وموسيقى احتفالية لأيام السبت (شابات) التى لا يعمل فيها اليهود.. حسبما جاء فى المشهد السينمائى الرائع الذى قدمه لنا المخرج الإسبانى أليخاندرو فى فيلمه الأخير المذهل (أجورا)، حيث نرى المسيحيين من أتباع الأسقف كيرلس الذى تملَّك الكرسى البابوى فى الإسكندرية من سنة ٤١٢ ميلادية، إلى سنة ٤٤٤ ميلادية، وهم يقتحمون احتفالاً يهودياً تصدح فيه الموسيقى، فيقتلونهم..

ثم يطردونهم بعدها من الإسكندرية إلى منطقة (سيدى بشر) الحالية، التى كانت تقع خارج أسوار المدينة. فى واحدٍ من أكثر المشاهد دراميةً فى هذا الفيلم الذى لن نراه، للأسف، فى مصر.. لأن الرقابة تمنع عرضه، استرضاءً لبعض الخواطر ! مع أنه يقدِّم صورة حية من تاريخ الإسكندرية ومصر.. لنا الله يا وطنُ.

(3/7)

الفيثاغوريةُ وتوهُّجُ الرياضيات

٢٣/ ٦/ ٢٠١٠

فى رواية الأديب الفرنسى المعاصر، آلان نادو (حفريات الصفر) وهى الرواية التى تُرجمت منذ سنوات إلى اللغة العربية بعنوان (عبدة الصفر) تبدأ الأحداث فى الإسكندرية المعاصرة، ثم ترتد إلى الماضى بقوة، من خلال اكتشافات أثرية بمنطقة (العجمى) لتحكى لنا تاريخ الجماعة الفيثاغورية فى الإسكندرية القديمة، والمعاناة التى مرت بها هذه الجماعة لاستكمال النسق الحسابى (الرياضى) وإيجاد الجذر التربيعى للعدد (٢) من دون معرفة بالصفر.. وتنتهى الرواية بنهاية الجماعة الفيثاغورية نهايةً درامية، عندما يكتشف لهم أحد الرياضيين العرب (العشَّار) حقيقة الصفر! وبذلك ينهار فى الرواية «النظام» الفيثاغورى الرياضى والروحى، لأنه كان يبدأ من (الواحد) الذى هو عندهم مبدأ العدد ومبتدأ الوجود.

ومع أن بالرواية بعض التمويهات التاريخية، فإنها فى نهاية الأمر تقدم «حدوتة» طريفة، ليست لها مصداقية إلا فى حدود الرواية نفسها، وحسب الإطار العام الذى اختاره لها مؤلفها.. أما فى الواقع التاريخى الذى نعرفه، فإن قصة (الفيثاغورية) كما يلى:

هى مدرسة روحية ذات طابع فلسفى/ رياضى، أسسها فى اليونان القديمة الفيلسوف الشهير فيثاغورث الذى كان يعيش فى القرن السادس قبل الميلاد، فى مدينة (ساموس) الواقعة اليوم بجنوب إيطاليا، لكنها كانت فى الزمن القديم مدينة يونانية تقع فى النظام الجغرافى المسمى: اليونان الكبير.. وكان فيثاغورث، حسبما تروى المصادر، قد استلهم مذهبه من عقيدة شرقية وفدت إلى اليونان على يد راهب اسمه (أورفيوس) وقد عُرفت هذه العقيدة الروحية (الأورفية) بإيمانها بتناسخ الأرواح، أى أن روح المتوفى تنتقل بعد الموت إلى جسم جديد.

ومن الأصول التى استلهم منها فيثاغورث مذهبه، حسبما تقول المصادر، العلوم المصرية القديمة.. فقد رُوى عن فيثاغورث أنه قضى أكثر من عشر سنوات بمصر، يدرس (الهندسة) على يد كهنة آمون! ويُقال إنهم أدخلوه إلى الهرم الأكبر، من سرداب سرى، فانبهر بروعة العمارة ودقة الهندسة. ثم عاد إلى بلدته الأصلية «ساموس» وأسس هناك مدرسته الروحية (الفلسفية/ الرياضية) التى اشتهرت بمجموعة مبادئ، منها القول بأن «العالم عدد ونغم» والقول بالتناسخ.. بالإضافة إلى بعض الطقوس الخاصة، مثل تحريم أكل اللحوم، وضرورة طىّ الملابس بعد خلعها كيلا تحتفظ بصورة الجسم، وتقديس الديك الأبيض!

ومما كان يميز الجماعة الفيثاغورية اهتمامهم بالموسيقى وإيمانهم بالثالوث المقدس للأعداد (من الواحد إلى العشرة) ورسمها فى مثلث فيثاغورث متساوى الأضلاع، الذى يتخذ الشكل الهندسى الهرمى الذى يقع (الواحد) على قمته، يليه من أسفله الاثنان، ثم الثلاثة، ثم الأربعة على النحو التالى:

وكان فيثاغورث يقول بأن الأرض كُرِّية الشكل (كروية) وحركة الأفلاك السماوية دائرية. لأن الدائرة عنده، هى أكمل الأشكال الهندسية.. ولأنه كان يقبل فى مدرسته عضوية النساء، ويعلِّم الفتيات! فقد ثار عليه أهل ساموس، وأحرقوا مدرسته وطاردوا أتباعه، فهربوا إلى بلدة «كروتون» ولكن الاضطهاد ظل يطاردهم، ويطردهم من موضع لآخر، حتى انتهى بهم الأمر إلى أن صاروا جماعة سرية.

ويرى فريق من المؤرخين والباحثين أن «فيثاغورث» هو شخصية أسطورية، مثل هرمس الهرامسة، من نسيج الخيال. وقد تألَّفت عنه الحكايات، ونُسبت إليه الأقوال والأفكار، حتى صار موجوداً فى الأذهان، لكنه فى الواقع التاريخى، غير موجود!.. ومع ذلك، فإن الجماعة الفيثاغورية ذاتها، لا مجال للشك فى وجودها التاريخى (الفعلى) فى اليونان القديمة، كجماعة سرية كانت تعيش هناك حيناً من الدهر، ثم اختفت وانسربت إلى خارج اليونان، وعاشت فى المدن الكبرى كالإسكندرية، وفى النواحى البعيدة كفلسطين.

ولا يستطيع المؤرخون بدقة تحديد زمن وصول الفيثاغورية إلى الإسكندرية.. والمؤرخون عموماً لا يستطيعون تحديد أى شىء بدقة! ولكن الثابت عندهم أن الفيثاغورية ظهرت ثانيةً فى الإسكندرية، وفى غيرها من المواضع، فى ثوب جديد يسمونه: الفيثاغورية الجديدة، أو الفيثاغورية المحدثة.. وقد اشتهر فى الإسكندرية، فى القرن الأول قبل الميلاد، والقرن الأول الميلادى، جماعة من الفيثاغوريين منهم نيجيديوس فيجولوس، الذى كان القديس جيروم يسميه (الفيثاغورى الساحر) ومنهم يودوروس السكندرى، وثراسيلوس المصرى.. وغيرهم، وهم يتشاركون فى أمور، منها الاهتمام بفلسفة أفلاطون، والإيمان بالخزعبلات الوافدة من الشرق (الهلال الخصيب) والاشتغال بالعلوم الخفية.

وقد تقبَّلت الإسكندرية هذا التيار الروحى، وأدخلته ضمن المزيج السكندرى البديع الذى تجاورت فيه وتحاورت مذاهب كثيرة.. لكن الإنجاز السكندرى الأهم كان يتمثل فى فصل الجانب الروحى الغامض من الفيثاغورية عن البحث الرياضى (العلمى) الذى بهر الإنسانية لعدة قرون تالية، بعدما تخلَّص العلم الرياضى السكندرى من الشوائب العجيبة التى اقترنت بالفيثاغورية فى الزمن اليونانى الأقدم.

وفى كتابه (تمهيد لتاريخ مكتبة الإسكندرية) يشرح لنا د. نجيب بلدى، السكندرى، جانباً من طبيعة الفكر السكندرى القديم، بقوله «إن المحتوى الفكرى السكندرى، كان من أصول يونانية وعناصر مصرية. فالإسكندرانيون كانوا آنذاك، إما مصريين عرفوا لغة اليونان واتصلوا بثقافتهم، أو يونانيين تمصَّروا وتعلَّموا صياغة آرائهم فى قالب مصرى شرقى.. وكان المفكرون يريدون العودة إلى القديم، فأفلاطون هو معلمهم ومرشدهم. لأنه اتصل من قبلهم بمصر والشرق عامة، ولأنه اعترف بسبق الشرق وبعظمة تقاليده الدينية. فكان فى نظرهم: أفلاطون الإلهى.. وفيثاغورث أيضاً معلمهم، بل له السبق على أفلاطون. لأنه أقدم منه، وأكثر اتصالاً بالشرق وديانات الشرق. فكان فى نظرهم مفكراً وفيلسوفاً عظيماً، ونبياً أيضاً».

وعلى هذا النهج السكندرى، المشار إليه، امتزج فيثاغورث وأفلاطون (وتراثٌ آخر متعدِّد التوجُّهات) فنتج من ذلك، حسبما يقول إميل برييه: إفاقةٌ فيثاغورية ذات نزعة زهدية، تربط مصير النفس الإنسانية بالعلم الأعلى، فالنفس بعد الممات تصعد إلى السماء التى نزلت أصلاً منها وسكنت الجسم..

والله هو (الواحد) المتجلى فى ثالوث الآحاد: الواحد الأول الذى يجاوز الوجود المحسوس، والواحد الثانى الذى يمثل عالم المعقولات، والواحد الثالث المشترك بين الله والعالم! وعلم العدد هنا، لا يعنى عند الفيثاغورية علماً مستقلاً، بقدر ما يعنى (المنهج) الذى يتم من خلاله إدراك الوجود الإلهى، غير المحسوس. ويميل الباحثون إلى الإشارة الدائمة لسرية وغموض ما يسمونه (الفيثاغورية المحدثة) وهم يكتفون غالباً بالإلماح إليها من بعيد.

وعذرهم فى ذلك، عندى، أن الفيثاغورية فى الإسكندرية وفى غير الإسكندرية، كانت قد تعلَّمت من المحن القديمة التى مرت بها، ولم تعد تصرِّح بأفكارها الروحية، خاصةً مع الانتشار الواسع للديانات الوافدة من الشرق، وعلى رأسها بالطبع، الصيغ الأولى للديانة المسيحية.. ولأن الفيثاغوريين لم يعودوا يصرِّحون بمذهبهم، أو يكتبونه، فإن الباحثين لم يجدوا مادة تاريخية يعتمدون عليها، فاكتفوا بالإشارة إلى (سرية) و(غموض) الفيثاغورية الجديدة، المحدثة.

كنتُ صباح اليوم أتحدث فى هذا الموضوع، مع العلامة الكبير د. رشدى راشد الذى يعيش فى باريس منذ أكثر من خمسين سنة، وهو اليوم (تقريباً) أهم مؤرخ للرياضيات فى العالم.. سألته عن السبب فى النبوغ السكندرى المبكر فى مجال الرياضيات، فقال إن البطالمة اهتموا منذ بداية الزمن السكندرى بتوفير البيئة المناسبة للبحث العلمى، عموماً، ورعاية العلماء فى المجالات كافة، ومنها مجال الرياضيات. وقد أدى ذلك إلى التوهُّج الرياضى فى الإسكندرية، منذ وقت مبكر (القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد) على يد أقليدس، الذى أسس العلم الرياضى على قواعد «البرهان» وأعطى للإنسانية كتابين من أهم الكتب فى تاريخ العلم: الأصول، المعطيات فى الهندسة.

إذن، فصلتْ الإسكندريةُ القديمة بحسم بين الجانب (الفلسفى) فى الفيثاغورية اليونانية، والجانب العلمى الرياضى.. وعاش الجانب الأول حيناً من الدهر ثم غرق فى الخرافات، وصار يسمى (الفيثاغورية الجديدة) بينما انطلق الجانب الآخر، منذ السنوات الأولى من عمر المدينة، على يد أقليدس ومن جاءوا بعده من الرياضيين السكندريين العظماء.. أمثال: أرشميدس (المتوفى سنة ٢١٢ قبل الميلاد) وإيراتوسثينيس، الذى قاس لأول مرة محيط الأرض، وكان رئيساً لمكتبة الإسكندرية القديمة (توفى سنة ١٩٥ قبل الميلاد) وقونون، الذى أبدع فى دراسة القطوع المخروطية (توفى سنة ٢٢٠ قبل الميلاد).. وقد كان هؤلاء الثلاثة، أصدقاء، وجيراناً فى الإسكندرية.

واستمرت البحوث الرياضية فى الإسكندرية، قروناً.. وتطورت على يد الإسكندرانيين مباحث الهندسة والحساب، وارتبطت عندهم الرياضيات بعلم الفلك، بعيداً عن خزعبلات التنجيم القديم. وظل الحال على هذا المنوال، فى القرون الميلادية الأولى، التى لمعت فيها من أسماء الرياضيين السكندريين، شخصيات لا يمكن لمؤرخى العلوم التقليل من شأنها.. من أمثال (ديوفنطس) الذى ألَّف كتاب: العدد (أَرثمطيقا) وكانت وفاته بالإسكندرية فى أواخر القرن الثالث الميلادى.

وفى أواخر القرن الرابع الميلادى، كان (ثيون) هو أهم وأشهر علماء الرياضيات بالإسكندرية. وقد شرح كتاب ديوفنطس، وقام بضبط كتاب (الأصول) لأقليدس، وحرَّر الجداول الفلكية التى وضعها العالم السكندرى العظيم: كلوديوس بطلميوس.. وثيون السكندرى، هو والد العالمة السكندرية البديعة (هيباتيا) المقتولة بيد بعض رعاع المسيحيين، سحلاً فى شوارع المدينة، سنة ٤١٥ ميلادية. لأن هؤلاء المتخلفين ربطوا بينها عن عمدٍ أو غير عمد، وبين جماعة الفيثاغورية الجديدة الذين كانوا يهتمون بالسحر.. ولم يعرف هؤلاء القتلة أن البحث الرياضى المتقدم لا يمكن أن يرتبط بالسحر والشعوذات.

أما (ثيون) أبو(هيباتيا) فقد اختفى ذكره فى الإسكندرية، يوم وقعت الفاجعة الكبرى سنة ٣٩١ ميلادية، حين هاجت جماعة كبيرة من الرعاع المسيحيين وهدموا معقل العلم فى العالم القديم (الموسيون) أو: بيت ربَّات الفنون.. ويرى البعض أن ثيون قُتِل فى هذا اليوم، ويرى البعض الآخر أنه أصيب بجراح خطيرة، ثم مات بعدها بسنوات.. والبعض الأخير لا يرى شيئاً.

يحكى عن الفيلسوف الألمانى الشهير، هيجل، أنه قال (والعهدة على الراوى) ما نصه: نتعلم من التاريخ أن أحداً لم يتعلم من التاريخ. ولله الأمر من قبل، ومن بعد.

(4/7)

عبادة إيزيس وسيرابيس

٣٠/ ٦/ ٢٠١٠

فى أيام مجدها لم تكن الإسكندرية القديمة تنظر بحساسية إلى اختلاف العقائد والديانات. فقد كان الأفق السكندرى مفتوحاً أمام أى عقيدة، ما دام البعض يؤمن بها، شريطة ألا يصادر هؤلاء (المؤمنون) على حق غيرهم فى أن يكونوا (مؤمنين) بعقيدة أخرى.. وبهذه الروح السمحة، كان احترام «الإنسان» فى الإسكندرية القديمة يعنى احترام «عقيدة» أىِّ جماعةٍ من بنى الإنسان، ما دامت قلوبهم قد هويت هذا المعتقد أو مالت إلى هذا الدين.

ومن هنا، حفلت المدينة بما لا حصر له من مذاهب وعقائد وديانات، فكان منها ما سوف يسمى لاحقاً بالديانات السماوية، كاليهودية. ومنها ما سوف يسمى بعد انتشار المسيحية بالديانات الوثنية.

وبطبيعة الحال، لم يكن (الوثنيون) يعتقدون فى كونهم (وثنيين) بمعنى أنهم كانوا يبجِّلون الأصنام والأوثان باعتبارها رموزاً للآلهة، وليست هى الآلهة بذاتها. وكانوا يقيمون لها المعابد ويقدِّمون إليها القرابين ويحرقون البخور، على اعتبار أنها تقرِّبهم إلى آلهتهم زُلفى.. أى أن احترام وتقديس هذه التماثيل (الأصنام، الأوثان) هو مظهر للإيمان بالآلهة المتعدِّدة، التى تمثلها تلك التماثيل.

وبطبيعة الحال أيضاً، فقد كان الدستور السكندرى (غير المكتوب) يبيح حرية العبادة، باعتبار أن ذلك يدخل فى إطار الحرية الشخصية والصلة الخاصة بين الإنسان والإله. وآنذاك، لم تكن تُفرض عقوبات على غير المتقين، كتلك التى ظهرت بعد ذلك فى اليهودية المتأخرة والمسيحية المبكرة والإسلام السياسى.

ومن أوسع العقائد الدينية التى انتشرت فى الإسكندرية القديمة، وغيرها من مدن حوض البحر المتوسط، آنذاك: عبادة إيزيس وعبادة سيرابيس. وهما عقيدتان كان لهما أتباع كثيرون فى القرون التى سبقت ميلاد السيد المسيح، والقرون التى سبقت استقرار الكنائس الكبرى.

وقبل الكلام فى هاتين العبادتين، لا بد من الإشارة إلى أننا ما زلنا نستخدم الصيغ اليونانية لهذه الأسماء! لأن اليونانية فى ذاك الزمان كانت لغة العلم والثقافة والتجارة والأدب (كالإنجليزية اليوم). وفى اللغة اليونانية القديمة، تلحق بالأسماء لواحق تميزها. فيتميز الاسمُ المذكرُ بإلحاق حرفى الواو والسين، مثلما نقول: داريوس، يوليوس، أكتافيوس.. إلخ، ويتميز الاسم المؤنث بإلحاق الياء والألف به، فنقول مثلاً: أوكتافيا، أوفيليا، ماريا.. إلخ. والأسماء العظيمة، ومنها تسميات الآلهة، تلحق بها (السين) فنقول: زيوس، كرونوس، حورس، أوزيريس، إيزيس.

أما بحسب النطق المصرى، فهذه الأسماء الأخيرة للآلهة المصرية القديمة، هى: حور، أوزير، إيزة (إيسة، إيست، إسِّت، السِّت) ولذلك ترانا فى مصر، إلى اليوم، لا نستخدم عند استعمالنا لفظة «الستّ» حرف اللام، مثلما هو الحال حين نقول: البنت، الرجل! ولا نستخدم هذه اللفظة، إلا فى سياق التقدير، فنقول: ستّ فاضلة، ستّ الستات، الستّ كريمة.. وأما إذا أردنا التحقير والتقليل من الشأن، فنحن نستخدم فى العامية اللفظة العربية: مَرَة (امرأة).

وتعود عبادة إيزيس إلى ما قبل إنشاء مدينة الإسكندرية. فهى ديانة مصرية قديمة، قامت على أسطورة طريفة تقول إن إيزيس ونفتيس وأوزيريس وست، هم أخوة أزواج! فإيزيس زوجة أوزيريس، وأختها نفتيس زوجة أخيها ست.. وقد حدثت مشاكل عائلية (كان المصريون القدماء، واليونان، يتصورون الآلهة على هيئة بشرية) وتفاقمت هذه المشاكل بين أوزير وست، فقتل الأخير أخاه وأخفاه! بأن مزَّقه إلى أربع عشرة قطعة، ووزَّع القطع على أنحاء البلاد، كيلا يجده أحد.

ولكن الأختين إيزيس ونفتيس فتشتا البلاد حتى جمعتا أشلاء المقتول، وأخذتها إيزيس، الأخت (والزوجة الوفية) إلى أحراش الدلتا، ووضعتها جنباً إلى جنب، فاكتشفت أن عضو الذكورة غير موجود. لكنها، لأنها إلهةٌ تعرف السحر، جمَّعت الأشلاء، ومسَّتها بأطراف أناملها، فحملت من أوزير من غير مضاجعة، وأنجبت حور (حورس) مع أنها لم تزل عذراء.

وفى أطراف الدلتا، التى كانت فى الزمن القديم منطقة أحراش ومستنقعات، اختفت إيزيس مع ابنها وتولَّت تربيته هناك، حتى اكتشف الأمر أخوها «ست» فتصارع مع «حور».. وتمزَّق قلب الإلهة بين ابنها وأخيها، وتضاعف حزنها وزادت حيرتها بعدما فقدت أخاها وزوجها أوزير، الذى صار إلهاً للعالم الآخر.

وخشيت من فقدان ابنها «حورس» الذى سلبه عمُّه عينيه (عين حورس) ولكن الإلهة «حتحور» أعادت إليه بصره.. وفى النهاية، وبعد مغامرات كثيرة، انتصر حورس على عمِّه ست بمساعدة أمه إيزيس، واتخذ رمز (الصقر) وصارت أمه رمزاً للأمومة الخالقة والأنوثة المقدسة.

ونظراً للطابع الإنسانى العميق لهذه (الأسطورة) وما ارتبط بها من آداب قصصية وترانيم روحية، فقد انتشرت عبادة إيزيس المصرية، فوصلت إلى أنحاء العالم اليونانى الواسع (حوض البحر المتوسط) وتعدَّلت صورة إيزيس «اليونانية» بعض الشىء، وصارت معبودة فى العالم القديم وفى الإسكندرية.

أما عبادة (سيرابيس) فهى صناعة سكندرية خالصة. ففى أيام البداية الأولى للمدينة، كانت «منف» وبقية المدن والقرى المصرية المحيطة بالإسكندرية، تنتشر فيها عبادة أوزيريس الذى صار سيداً لعالم الموتى، ورقيباً على الحياة فى الأرض، واتخذ عندهم شكلاً متجسِّداً فى صورة العجل أبيس.. يقول د. مصطفى العبادى: أشار هيرودوت إلى الصلة بين أوزيريس والعجل أبيس، فى وصفه طريقة الحمل الطاهر المقدس.

فالعجل الصغير أبيس هو ابن بقرة هبطت عليها نارٌ من السماء، فحملت به. ونتيجة لهذه المعجزة، يعتبر أبيس تجسيداً لربِّ الحياة.. وفى أثناء حياته، وفقاً للمعتقد القديم، يمثل «أبيس» قوى الحياة الطبيعية. وبعد وفاته، يتحد مع أوزيريس، ويُعبد باسم مشترك: أوزير/ أبيس.

وقد وجد اليونانيون مشقة فى نطق الاسم (أُوزيرابيس) فتحرَّف على ألسنتهم إلى «سيرابيس». وحسب التقاليد الدينية المصرية، نشأ له ثالوث يجمعه مع إيزيس (الزوجة) وحورس (الابن) .. وسرعان ما انتشرت معابد لسيرابيس فى أرجاء مصر، ولكن معبد السرابيوم فى الإسكندرية كان أكثرها روعة.

وبينما كان اليونانيون (الإغريق) يتصورون آلهتهم عادةً فى صورة بشرية، كان المصريون يألفون تصور آلهتهم فى صورة الإنسان أو الحيوان.. وكانت الخطوة التالية، والكلام هنا لا يزال للدكتور العبادى، هى تصميم تمثال مناسب لهذا الإله المعبود، جدير بأن يوضع فى معبده الجديد بالإسكندرية.

وكان بطليموس الأول (حاكم الإسكندرية) مقتنعاً بأهمية ذلك، فجاء بتمثال من آسيا الصغرى، وجعله الإله الجديد الحامى للمدينة، وحرص على إبراز التماثل بينه وبين الإله اليونانى ديونيسوس.. وتدريجياً، تمكن بطليموس الأول (سوتير) من إقحام تماثيل سيرابيس/ ديونيسوس، على تقاليد العبادة المصرية فى منف والإسكندرية. كما انتهج أسلوباً آخر، هو محاولة «إعادة كتابة التاريخ» من أجل الترويج لأفكار معينة، تُعين على تحقيق غايته.

فظهرت مؤلفات تربط بين مصر واليونان، وتؤكد التطابق بين آلهة اليونان وأصولها المصرية! فالإله ديونيسوس هو فى الأصل (أوزير) والإلهة ديميتر (إيزيس) وأبوللو (حورس) وزيوس (آمون) وهرميس (تحوت).. وفى هذه الكتابات «اللاهوتية» الجديدة، آنذاك، تأكيدات كثيرة على بشرية الآلهة وألوهية البشر.. وهو ما يقدم تبريراً وتمهيداً لتأليه بطليموس الأول، مُنشئ الإسكندرية الحقيقى، تحت لقب «سوتير» التى تعنى حرفياً: المنقذ.

وفى هذا الإطار، تم الترويج لفكرة لاهوتية جديدة، تقول إن إيزيس بعدما جمعت أشلاء زوجها واستعادت قطع جسمه (عدا عضو التذكير) أخذت كل قطعة على انفراد وصاغت حولها جسماً إنسانياً من الشمع والتوابل وقامت بدفن كل واحد من هذه الأجسام فى إقليم من أقاليم مصر.. ووفقاً لهذه (الصيغة) الجديدة، اليونانية، لعبادة إيزيس. فإن المصريين عبدوا العجل (أبيس) لأنه كان أكثر الحيوانات التى ساعدت إيزيس وأوزيريس فى زراعة البذرة التى اكتشفاها: بذرة القمح.

ويشير العلامة ديورانت، أشهر مؤرخى القرن العشرين، فى المجلد الثامن من موسوعته الهائلة (قصة الحضارة) إلى هذا الموضوع، فيقول ما نصه: حاول بطليموس الأول أن يوحِّد الدينين (اليونانى والمصرى) بقوله إن سيرابيس وزيوس إلهٌ واحد. وشجَّع البطالمة من بعده أهل البلاد على أن يتخذوه إلهاً يعبدونه، كمعبود مشترك.. ولكن الغلبة فى الإسكندرية، بآخر الأمر، لم تكن لهذه الصيغة المصطنعة وإنما كانت للنـزعة الصوفية.

فقد وضعت الإسكندرية أسس الأفلاطونية المحدثة (الصيغة السكندرية لفلسفة أفلاطون) وذلك الخليط من الطقوس المليئة بالأمانى، فظلت تتنازع فيما بينها للاستحواذ على نفوس أهل الإسكندرية إبَّان القرون التى أحاطت بميلاد المسيح. وأضحى أوزيريس فى صورة سيرابيس كإله محبَّب لكثيرين من اليونان والمصريين، واستعادت إيزيس مكانتها بوصفها إلهة للنساء وللأمومة.. ولما دخلت المسيحية البلاد، والكلام هنا لديورانت، لم يجد الكهنة أو الشعب ما يحول بينهم وبين استبدال مريم بإيزيس، أو المسيح بسيرابيس.

وبعدُ فلنختتم هذه المقالة بترنيمة لإيزيس كانت تُتلى قديماً فى المعابد، بطريقة مهيبة. وهى تشير إلى جلال (الأفعى) التى كانت مقدسة فى العالم القديم، حتى جاءت اليهودية وجعلتها ملعونة مدنَّسة.. تقول الترنيمة على لسان إيزيس:

يومَ أفنى كُلَّ ما خلقتُ

وتعودُ الأرضُ محيطاً بلا نهاية

وحدى، أنا، سأبقى

وأكون كما كنتُ دوماً

أفعى

عصية على الأفهام.

(5/7)

الأفلاطونية الجديدة .. المزيج السكندرى البديع

٧/ ٧/ ٢٠١٠

لعوام الناس، والمتحذلقين من أنصاف المتعلمين، شغفٌ شديدٌ باستعمال الكلمات الطنَّانة الرنَّانة، حتى وإن كانت جوفاء المعنى وفارغة الدلالة.. من ذلك قولهم (الحب الأفلاطونى) إذا أرادوا وصف غرام رجل بامرأة، من دون أن يكون لهذا «الغرام» أهداف حسية أو شهوية! وفى حقيقة الأمر، فلا علاقة لأفلاطون بمثل هذا الأمر، ولا شأن له أصلاً بالحب والغرام بين الرجل والمرأة. بل كان أفلاطون، فى واقع الأمر، مثل معظم مفكرى وفلاسفة اليونان القديمة، يحتقر النساء.. وبالمناسبة، فإن كلمة «الغرام» أيضاً، كثيراً ما تستعمل فى غير موضعها، فهى تعنى فى الأصل اللغوى: العذاب.

كان مولد الفيلسوف الشهير «أفلاطون» فى القرن الخامس قبل الميلاد، وهو الوقت الذى تمَّ فيه تدوين «التوراة» على يد عِزرا الكاتب.. فقد كانت الإنسانية، آنذاك، تبحث عن اليقين. وقد التمسه اليهود، والشرق عموماً، فى الدين! بينما بحث عنه اليونان القدماء، فى البحث الفلسفى والنظر العقلى.

وكانت مدينة «أثينا» فى الوقت الذى وُلد فيه أفلاطون (سنة ٤٢٨ قبل الميلاد) واحدة من كبريات المدن اليونانية، وكانت الأسرة التى نشأ فيها أفلاطون واحدة من كبريات العائلات الأثينية.. وبالمناسبة، فإن «أفلاطون» ليس هو اسمه الحقيقى، بل هو وصفٌ له غلب عليه فى شبابه، واشتهر به فى حياته وفى القرون الطويلة التالية لوفاته، وحتى زماننا المعاصر الذى صار فيه اسم «أفلاطون» مشهوراً، ومبتذلاً أيضاً، حتى إن بعض المطاعم والنوادى الليلية، اليوم، تتخذ من أفلاطون (وسقراط) اسماً لها.. ولو عرف الرجل فى زمانه، أن ذلك سيحدث فى زمانٍ تالٍ، لغشى عليه من الدهشة وغمرته الحسرة.

تعنى كلمة أفلاطون «عريض المنكبين» أو حسبما يقول عبد الرحمن بدوى «واسع الجبهة عظيم البسطة والجسم» وهو ما كان يتصف به أفلاطون. أما اسمه الفعلى، فكان (أرستوكليس بن أرستون) واسم أمه «فريكتونا» وكان زوج أمه «فورلامفس» هو الذى تولى تربيته.

وقد قام أفلاطون بتدريس الفلسفة فى بناء قريب من حديقة «أكاديموس» فسُميت المدرسة (الأكاديمية) وكانت الدراسة فيها نظامية، تجمع بين الفكر الفلسفى فى المعرفة والسياسة والبحث العلمى الرياضى والفلكى والفيزيائى. ولم يكن أفلاطون يكتب دروسه للتلاميذ المنتظمين بمدرسته، ومنهم أرسطو، وإنما كتب للعوام أعمالاً مبسطة على هيئة مسرحية (حوارية) وهى التى بقيت من بعد وفاته، سنة ٣٤٨ قبل الميلاد، وحتى اليوم. وعُرفت باسم محاورات أفلاطون، ومن أشهرها: محاورة فيدون (فى خلود النفس الإنسانية) محاورة جورجياس (فى فن الخطابة) محاورة مينون (فى الفضيلة).. وغيرها، وكان أستاذه العجيب «سقراط» هو الشخصية الرئيسية فى محاورات أفلاطون، لأن أفلاطون كان يحب أستاذه هذا بشكل كبير. وكان أيضاً، شديد الإعجاب بفيثاغورث، وكان يتتبع مذهبه الذى صار فى زمان أفلاطون مذهباً سرياً، يُعرف بالفيثاغورية.

وتقوم فلسفة أفلاطون على الاعتقاد بوجود عالمين، الأول هو العالم الذى نعيش فيه، وهو عالم حسِّىٌّ مادىٌّ متغيرٌ حقيرُ القيمة. والآخر هو عالم (المثل) والمعقولات العليا والأبعاد الرياضية والهندسية، التى يسعى عالمنا هذا إلى الوصول إلى كمالها، ولكن هيهات.. والنفس الإنسانية كانت فى العالم العلوى، لكنها هبطت وسكنت فى البدن.

وقد اضمحلت الفلسفة فى أثينا، وفى اليونان عموماً، وانتقلت مع العلوم والمعارف القديمة، إلى عاصمة العلم والمعرفة فى العالم القديم: الإسكندرية.. وقد كان من الطبيعى أن يزدهر الفكر الفلسفى فى الإسكندرية القديمة، نظراً للمناخ العلمى والفكرى الذى كان سائداً آنذاك.

ثم انسربت المسيحية إلى الإسكندرية، رويداً، حتى صارت فى القرن الثالث الميلادى، واحدة من الديانات التى حفل بها المزيج السكندرى البديع. وفى القرن الثالث، ذاته، عاش بالإسكندرية فيلسوف بديع اسمه «آمونيوس ساكاس» كان أبوه وأمه مسيحيين، فكان فى شبابه مسيحياًَ حتى درس الفلسفة فانسلخ من الديانة الوليدة.. والمؤرخون مختلفون فى أمره، فالبعض منهم يرى أنه تنكر للمسيحية وخرج منها تماماً، والبعض الآخر يرى أنه بقى مؤمناً بها حتى وفاته التى كانت فى حدود سنة ٢٤٠ ميلادية.

وتكمن أهمية آمونيوس ساكاس فى أنه طوَّر فلسفة أفلاطون، وأعطاها شكلاً جديداً (سكندرياً) هو الذى يعرفه المؤرِّخون باسم الأفلاطونية الجديدة، أو الأفلاطونية المحدثة.. فصارت لدينا فلسفة جديدة فحواها الأفلاطونية القديمة، الممزوجة بعناصر فكرية مصرية الطابع، وبالأحرى سكندرية. وبالمناسبة، فإن لفظة (ساكاس) تعنى السقَّا أو الحمَّال، وكلمة (آمونيوس) تعنى: الآمونى.. نسبةً إلى الإله المصرى القديم، آمون.

وقد استفاد هذا الفيلسوف السكندرى من الفيثاغورية، ومن فلسفة أرسطو، بل جمع فى مذهبه بين أفلاطون وأرسطو، وحاول التوفيق بينهما فى سياق فلسفى يُعنى بالنظر فى حقيقة النفس الإنسانية، وفى صلة الله بالعالم.. وقد كان تلامذة أمونيوس ساكاس، وأتباعه من بعدهم، يلقبونه: الملهَم من الله.

وأشهر تلامذة آمونيوس ساكاس، اثنان.. الأول هو أوريجين (أوريجانوس) الذى سوف يصير واحداً من أهم آباء الكنيسة، والآخر هو الفيلسوف العارم البديع: أفلوطين. ولسوف نتحدث عن أوريجين فى مقالتنا القادمة، التى ستأتى الأربعاء القادم تحت عنوان (الغنوصية وآباء الكنيسة الأوائل) أما هنا، فسوف نُنهى الكلام بذكر بعض الجوانب فى حياة وفكر الفيلسوف المصرى السكندرى الشهير، الذى صاغ الأفلاطونية الجديدة فى شكلها الأخير: أفلاطون.

فى بداية القرن الثالث الميلادى وُلد أفلوطين فى صعيد مصر، وكان مولده فى (المنيا) الحالية، التى كان اسمها قديماً: ليقوبوليس.. وجاء فى شبابه إلى الإسكندرية، فأخذه صديقٌ له لزيارة آمونيوس ساكاس والاستماع إلى دروسه الفلسفية، فلما انتهى الدرس صاح أفلوطين: هذا هو الرجل الذى كنتُ أبحث عنه.

ولزم أفلوطين أستاذه السكندرى، ودرس عليه، وقضى بقية عمره عاكفاً على تطوير مذهبه الذى صار على يد أفلوطين هو الصورة النهائية لما يسمى بالأفلاطونية الجديدة (المحدثة) وهى الفلسفة التى تقوم على افتراض أن العالمين الأعلى والأدنى (المثل والمحسوسات) بينهما صلة هى نفس الإنسان.. والفلسفة هى الطريق الذى نستطيع من خلاله التعرف إلى الحقائق العلوية، بنوع من المكاشفة الصوفية التى يمكن أن تتم إذا ارتقى الشخص عن مطالبه ورغباته الحسية، وتخفَّف من قيود البدن ومن النوازع الطبيعية، فتنطلق روحه فى الآفاق العليا، حتى تحصل على المعرفة الحقة بالله.

وأشهر أعمال أفلوطين هو كتابه (التاسوعات) الذى يذكرنا عنوانه بالعقيدة المصرية القديمة، القائمة على الإيمان بتسعة آلهة يديرون الكون، هم (تاسوع طيبة) الذين تؤول إليهم الأمور فيحكمون فيها بحسب ما تقتضيه العدالة الإلهية والحكمة. ولكن أفلوطين يظل أقرب إلى أفلاطون، منه إلى العقيدة المصرية القديمة التى كانت فى زمانه قد انطمست. مع أن المؤرخين يرجحون أن أفلوطين درس الفكر الدينى فى الصعيد، قبل مجيئه إلى مدينة الإسكندرية.. ولذلك، فقد أثار آمونيوس ساكاس إعجابه، لأنه كان مشغول الذهن فعلاً، بما درسه فى صغره.

وتقوم فلسفة أفلوطين على ثالوث (الله، العقل، النفس) وهى حسبما يشير الدارسون، ثلاثة أقانيم أو مبادئ أساسية للوجود، الأول منها هو الله (المبدع، اللامتناهى، الواحد) والثانى هو العقل الذى فيه صور الأشياء الموجودة وقوانين تركيبها وعلة ظهورها. والأقنوم الثالث، هو النفس التى بها تتحقق الصور العقلية فى العالم الحسى.

وهذا العالم الذى نعيش فيه، هو حسبما يرى أفلوطين، نتيجة لعملية (فيض) عن الله، وصدور غير مقصود! فقد تفكَّر الواحد فى ذاته، فصدر من ذلك (العقل الأول) وفاض.. وتفكَّر العقل الأول فى (الواحد) فصدر من ذلك العقل الثانى، وتفكر فى نفسه فصدرت (النفس الكلية) نتيجة لذلك. ثم توالت الفيوضات ومراتب الموجودات، وتسلسلت العقول العليا حتى تماست مع الوجود المحسوس من خلال العقل الفعال، أو (عقل فلك القمر) الذى يؤثر فى عقولنا الجزئية، فندرك الحقائق العليا بنوع من الإلهام.

وقد ارتحل أفلوطين من الإسكندرية، لسبب لا نعلمه، وطاف فى الأرض يدعو لمذهبه (الأفلاطونية الجديدة) وينسب كل أفكاره لأستاذه آمونيوس ساكاس. مثلما كان أفلاطون ينسب كل أفكاره إلى أستاذه سقراط. ثم افتتح أفلوطين مدرسة فلسفية فى مدينة روما، وظل يدرِّس فيها فلسفته، حتى وفاته سنة ٢٧٠ ميلادية.

ولأن الأفلاطونية الجديدة كانت مذهباً يكتنفه الغموض والرمزية المعقدة، وهو ما نراه جلياً فى مؤلفات أفلوطين، فقد اقتصر شيوع هذا الاتجاه على المتعمقين فى الفلسفة واللاهوت، ولم ينتشر هذا المذهب بين عوام الناس والدهماء والجمهور.. فهؤلاء لا طاقة لهم على الصبر، ولا احتمال عندهم يدعوهم إلى بحث مثل هذه الأمور الدقيقة، والرؤى الرمزية التى تحتاج خيالاً واسعاً لتصورها.

وكانت نتيجةُ ذلك، ونتيجةً لعوامل أخرى كثيرة، أن اقتصرت الأفلاطونية المحدثة على النخبة الفكرية والصفوة المتفلسفة. كما انتشرت الفيثاغورية الجديدة، وصارت مذهباً سرياً تغلب عليه الغرائبية والهلوسات. وسادت فى الإسكندرية القديمة، ومدن العالم القديم، الديانات الآتية من (الشرق الغامض) الذى هو الأرض المجدبة الواقعة على أطراف الصحراء: فلسطين.

ولأن اليهودية، التى وفدت من فلسطين، ديانة غير تبشيرية لأنها لا تعترف بيهودية الشخص إلا إذا كانت أمه يهودية.. ولأن المسيحية، التى وفدت أيضاً من فلسطين، ديانة تبشر كل الأمم وتكرِّز (أى تدعو = تبشِّر) أى شخص، مهما كان، فقد انتشرت المسيحية فى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، واكتسحت العالم القديم فى القرنين الخامس والسادس، وكسحت من الساحة بقية المذاهب الأخرى والديانات التى سادت حيناً من الدهر.

ولم يكن انتشار المسيحية صدفة، وإنما جاء نتيجة ظروف تاريخية محددة، وجهود كثيرة بذلها آباء الكنيسة الأوائل.. فإلى مقالتنا القادمة، حيث نذكر طرفاً من ذلك.

(6/7)

الغنوصيةُ وآباءُ الكنيسة

١٤/ ٧/ ٢٠١٠

عندما ننظر فى التاريخ، وقليلاً ما نفعل، تقابلنا فى كثير من الأحيان كلمات (غنوصية، غنوص، غنوصى..) وهى ترجمة عربية «صوتية» أى متوافقة صوتياً، لكلمة يونانية قديمة تعنى: المعرفة.. ومثلما هو الحال فى كثير من المفردات، فإن اللغة العربية نقلت إليها كثيراً من الكلمات التى لم تجد لها مقابلاً عربياً فصيحاً، فأبقتها فى كلامنا بصوتها ونطقها الأعجمى (غير العربى) وصارت مع كثرة الاستعمال تبدو كأنها مفردات عربية.

ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك، كلمات: دراما، تراجيديا، كوميديا، فلسفة، لاهوت، كيمياء، مكس.. إلخ، وهناك بعض الكلمات التى استبقى بعض الناس لفظها غير العربى، واستعملوه، تحاشياً للتعبير عنها بمفردات كثيرة أو تجنباً للمقابل العربى الصريح. فيقولون (الأقرباذين) قاصدين به (الأدوية المركبة والمعاجين الدوائية) ويقولون كرازة، وهى تعنى حرفياً: التبشير بالمسيحية.

وكلمة (غنوص) تعنى من حيث الدلالة الاصطلاحية، معنىً قريباً من الدلالة الحرفية للكلمة. فهى اسم لمذاهب كثيرة مختلفة فيما بينها، ولكن يجمعها كلها شىء وحيد، هو محاولة الحصول على المعرفة، بالاتصال المباشر مع الإله.. وبحسب المبدأ الغنوصى العام، فإن (الله) متعالٍ جداً عن هذا العالم، ومنفصل عنه بحكم اختلاف الطبيعتين: طبيعة الإله باعتباره الخير الخالص، وطبيعة العالم الذى هو موطن الشرور والخطايا وسيطرة المحسوسات.

والإنسان موجود فى هذا العالم (الشرير) لكنه لا ينتمى له فى واقع الأمر، لأنه من طبيعة إلهية. فالروح الإنسانى قبسٌ من نور الله، وشعلة ربانية هبطت إلى هذا العالم المادى، بسبب خطأ اقترفته فى الأزل، فصار فى الإنسان: نفسٌ من أصل إلهى خالد، وجسمٌ مادى من هذا العالم الفانى.

والمذاهب الغنوصية تقول إن الإنسان إذا تجرَّد عن متطلبات الحسِّ، فإن روحه (نفسه) تتحرَّر وتحلِّق فى الأفق الإلهى الذى جاءت منه أصلاً، وهو ما قد يحدث فى لحظاتٍ نادرة تتم خلالها (المعرفة الحقة بالوجود).. وبالطبع، فإن لهذه المعرفة شروطاً، أهمها أن يكون الإنسان فاضلاً، لا يقترب من الخطايا ولا ينغمس فى الملذات، ولا يسمح للمحسوسات أن تتحكم به وتثقل روحه عن التحليق فى الأفق السماوى.

وقد انتشرت الاتجاهات الغنوصية فى الإسكندرية، وبقية مدن العالم القديم، فى القرن الثانى للميلاد. وكان انتشارها مرتبطاً بحالة القتامة، التى خيَّمت على العالم القديم، بسبب الاضطرابات السياسية والحروب المستمرة واليأس من تحقيق (الخلاص) الجماعى، وهو ما يقود بشكل تلقائى إلى محاولة البحث عن (خلاص فردى) وعن يقين خاص.. وقد اشتهر فى القرن الثانى الميلادى، من الغنوصيين: باسيليدس، الذى درس فى الإسكندرية، وكانت وفاته سنة ١٦١ ميلادية بعدما ترك مؤلفات، منها شرح للإنجيل فى ٢٤ كتاباً، ومجموعة مزامير وتسابيح.. ويقال إن الإنجيل الذى شرحه باسيليدس، هو إنجيل آخر غير تلك الأربعة الموجودة اليوم بأيدى الناس.

وثانى الغنوصيين الكبار، قديماً، هو فالينتينوس المصرى. كان مولده بمصر، وقضى حياته متنقلاً بين أنحاء العالم القديم، حتى توفى فى روما (فى حدود سنة ١٦٠ميلادية) حيث كان يدعو لعقيدة روحية تقوم على فكرة أن الخطيئة الأولى دمَّرت التآلف بين النفس الإنسانية وأصلها السماوى (الآب)، وعلى كل فرد أن يحرِّر ذاته من سيطرة الجسم والمحسوسات، حتى يعود التآلف المفقود.

ومن أهم الذخائر التراثية (الغنوصية) مخطوطات نجع حمادى، التى اكتشفها بالصدفة سنة ١٩٤٥ الفلاح (الصعيدى) محمد على السمَّان، وباعها فى القاهرة بأبخس الأثمان، فانتقلت أغلب مخطوطاتها إلى خارج البلاد، بما فيها (إنجيل الحقيقة) المعروف حالياً بإنجيل توما.. وهو نصٌّ غنوصى بامتياز، كاد زاهى حواس يسترجعه إلى مصر، لكنه رضخ لصخب الرافضين، وآثر السلامة، وطوى الأمر.

والغنوصية حَلٌّ فردى، ولذلك فهى وإن كانت ذات صبغة دينية وروحية، إلا أنها لا تحتاج إلى المؤسسة أو التنظيم الدينى والهيئات ذات الطابع الجماعى (الشعبى)، الذى يعتمد على اختصاص رجال الدين بالأسرار الإيمانية، وعلى كون هؤلاء هم الممثلين للإله فى الأرض.. ولذلك، لا ينبغى لنا أن نندهش، حين نرى اليوم بعض الناس يسجدون لبعض الناس وهى بذلك تخالف الكنيسة.

ونظراً لاختلاف (المنطلق) بين الغنوصية والكنيسة المسيحية، فقد ثار الخلاف الفكرى بين الغنوصيين وآباء الكنيسة الأوائل، وهو الخلاف الذى انحسم تاريخياً بانتصار آباء الكنيسة واستتار الاتجاهات الغنوصية.. وآباء الكنيسة، مصطلح يشير إلى أعلام الرجال، الذين دافعوا مبكراً عن (الإيمان القويم)، أو ما يسمى الأرثوذكسية. وكان هؤلاء الآباء ينتمون إلى مدن ونواحٍ كثيرة، مثل كبادوكيا وروما وأنطاكية. ولكن آباء الكنيسة فى مدينة الإسكندرية، ظل لهم (دائماً) أهمية خاصة باعتبارهم من أهمِّ الآباء المؤسِّسين للكنيسة، إن لم يكونوا أهمَّ هؤلاء الآباء على الإطلاق.

ومن أشهر، وأهمِّ، آباء الكنيسة السكندريين: كليمان (كليماندس) وأوريجين (أوريجانوس).. وُلد الأول لأبٍ وأمٍ وثنيين، فى منتصف القرن الثانى الميلادى، ثم آمن فى شبابه بالمسيحية- وظل مؤمنا بها حتى وفاته سنة ٢١٥ ميلادية. وقد قضى كليمان معظم حياته فى الإسكندرية، وفيها كتب مؤلفاته المشهورة وأشعاره الرقيقة وردوده على الغنوصيين.

مع أنه حسبما يقول المؤرخون، كان ينادى بالمعرفة (الغنوصية) القائمة على النـزوع الصوفى والأخلاقى، وكان يستعمل لغة (الأسرار)، التى يستعملها الغنوصيون. لكنه امتاز عنهم بالمهارة فى استخدام الأسلوب الرمزى، وبكونه سكندرياً، وبأنه نموذج للمثقف اليونانى القديم، الذى لا يكفُّ عن الاستشهاد بهوميروس وأفلاطون وإنجيل المصريين (وهو الإنجيل الذى اختفى بعد ذلك).. ومن لطائف أشعار كليمان وصلواته، قوله:

تعطَّف أيها المربِّى

على أولادك الصغار

أيها الآب، يا قائد إسرائيل

أيها الآب والابن معاً،

يا رب

أعطنا متابعة وصاياك

فنصل إلى مشابهة الصورة

ونعرف على قدر قوانا

صلاح الله.

أما أوريجين، فقد كان رجلاً عبقرياً. وُلد بالإسكندرية سنة ١٨٥ ميلادية تقريباً، ونشأ فيها بين أسرة مسيحية. وعانى من ويلات كثيرة، كان أولها قتل والده على يد (الوثنيين) سنة ٢٠٢ ميلادية، وآخرها نزاعه الطويل مع أسقف الإسكندرية فى زمانه: ديمتريوس الكرَّام.. وقد حكت الروائية سلوى بكر، سيرة أوريجين فى روايتها، التى حملت عنوان (أدماتيوس الألماسى)، وهى صفة حملها أوريجين، صوابها (أدمانتيوس) أى الصُّلب الذى لا يُخدش، أو (الألماسى).. وهو لقب عُرف به أوريجين فى حياته وبعد مماته سنة ٢٥٤ ميلادية تقريباً.

درس أوريجين على يد آمونيس ساكاس (درس الفلسفة بالطبع) وكان زميلاً لأفلوطين، الذى صار لاحقاً: فيلسوف «الأفلاطونية الجديدة» الأشهر. وقد اتجه أوريجين بذخيرته الفلسفية والأدبية الهائلة، وبموهبته، إلى التبشير بالمسيحية وتفرغ للتدريس كى يقاوم المعهد العلمى للإسكندرية (الموسيون).. وبعد حياة حافلة، توفى أوريجين مغضوباً عليه من الأسقف ديمتريوس الكرَّام (أى مُزارع العنب الكرم) بسبب أن أوريجين خصى نفسه ليبتعد عن فتنة النساء! أو بسبب لجوئه إلى أساقفة آخرين فى إيلياء (القدس = أورشليم) وترقيتهم له إلى درجة قسيس، وهو ما أثار الأسقف السكندرى. فاستدعاه من هناك، وعزله من تلك الرتبة، وحدَّد إقامته فى المدينة. حتى طلبت (ماميا) أم إمبراطور روما شخصاً يشرح لها العقائد المسيحية، والفرق بين اليهودية والمسيحية، فأرسلوا أوريجين لهذه المهمة، فأتمها على خير وجه، وكان له الفضل فى تحسين صورة المسيحيين عند حكام روما.

ترك أوريجين مجموعةً بديعة من المؤلفات، شرح فيها الأناجيل باليونانية البليغة، وأكَّد فيها الاختلاف القائم بين الديانة المسيحية والنـزعات الغنوصية، على اعتبار أن (العقائد) المسيحية هى التى ينبغى لـ(النخبة) أن تؤمن بها لتدرك السر الأعظم الذى هو الله.. ولعل أهم أعمال أوريجين، هو كتابه المعروف بعنوانه اليونانى (الهاكسبلا) أى الأعمدة الستة. وفى هذا الكتاب، يقابل أوريجين بين نصوص (العهد القديم، اليهودى) من خلال ستة أعمدة (النص العبرى بحروفه العبرية، النص العبرى بحروف يونانية، ترجمة أكويلا، ترجمة سيماخوس، الترجمة السبعينية، ترجمة ثيودوتوس اليهودى).

وفى الدفاع عن المسيحية، كتب أوريجين رداً على الفيلسوف (سلسيوس) شرح فيه أصول العقيدة المسيحية: التجسُّد، الثالوث، العبادة.. إلخ. وقد اعتبرت كتابات أوريجين بحسب التعبير، الذى اشتهر عنها: خزانة أدوية للردِّ على الهرطقات.

ولكن الكنائس ما لبثت أن تنكَّرت لأوريجين، بعد وفاته، واعتبرته هرطوقياً (كافراً، مبتدعاً، مرتداً..) وقام أسقف الإسكندرية ثيوفيليوس سنة ٣٩٧ ميلادية، بحرمه (أى طرده من حظيرة الإيمان المسيحى) وطرد الرهبان الذين يتَّبعون أفكار أورجين. وبعد أن أبلغ الأسقف السكندرى أساقفة المدن الكبرى بقرار (الحرم) عاد بعد سنوات، وعدَّل قراره بقوله الشهير: مؤلفات أوريجين كحديقة فيها أزهار جميلة، وفيها أعشاب رديئة وأشواك!

وفى اجتماع رؤساء الكنائس الكبرى سنة ٥٥٣ ميلادية (مجمع القسطنطينية الثانى) صدر عن الأساقفة القرار الثانى: كل مَنْ لا يحرم آريوس ومكدونيوس ونسطور وأوريجين، فليكن مطروداً من حظيرة الإيمان.. لأن كتابات أوريجين تحتوى على عقائد هرطوقية! ومع ذلك، فقد انحاز لأوريجين كثيرون من الأساقفة على مر العصور، وقال عنه البابا «لاون الثالث عشر»: من بين الشرقيين، يحتل أوريجين المقام الأول، وقد كان عجيباً فى ذكائه وصبره على العمل، ومن مؤلفاته العديدة استفاد معظم الذين أتوا بعده..».

ولنختتم المقالة، بعبارة من عظات أوريجين وشروحه لسفر العدد (أحد أسفار التوراة)، حيث يقول بنـزعة غنوصية، ناصحاً المؤمن المسيحى: الأرض والسماء يجب أن تتسامى عنهم، وتتسامى عن كل ما ترى وتسمع، وكل ما يخطر على قلبك، وعندئذٍ سوف تعرف ما أعده الله لأولئك الذين يحبونه.

الحبّ.. جوهر المسيحية، وسر التقديس، وقاعدة العلاقة بين الله والإنسان، وروح الشرائع السماوية كلها، وهدف الفنون الراقية، وأعمق ما يمكن أن يعطيه الإنسان. ولكن فى المقابل، هو الموجود المفقود، المزعوم المرفوض.. لأن المقت أسهل على العوام من الحبِّ، والكراهية أكثر جاذبية لمعظم الناس، ولا تحتاج الجهد الذى يتطلبه الحبُّ. وفى مقالتنا القادمة، الأخيرة من هذه السباعية، نحكى: النهايات الحزينة للزمن السكندرى البديع.. فإلى لقاء.

(7/7)

النهاياتُ الحزينة

٢١/ ٧/ ٢٠١٠

لم يتبدَّد مجدُ الإسكندرية القديم فجأة، لأنه لم يتشكَّل على نحو فجائى، وإنما ترسَّخ عبر قرون طوال، ولذلك استغرق انهياره عقوداً طوالاً من الزمان.. يقول إسكندر صيفى:

حكم الإمبراطور البيزنطى «ثيودوسيوس الأول» من سنة ٣٧٩ إلى سنة ٣٩٤ ميلادية، وامتاز حكمه بضربته القاضية على الوثنية، لا سيما أن هذا الدين، كان قد ابتدأ سقوطه من قبل أن تصير المسيحية دين الملوك. وكان الإمبراطور قسطنطين، قد زعزع أركان الوثنية، بقفله عدة من معابدهم، ولكن ثيودوسيوس سَنَّ شريعة (أصدر قراراً إمبراطورياً) بأن دين المملكة بأسرها فيما عدا من كانوا يهوداً، هو التثليث. وبعد قليل أمر بحفظ يوم الأحد عن العمل فيه، دون السبت، وبعث حاجبه إلى مصر مأموراً بتنفيذ هذه الأوامر.

فاستقبل أسقف الإسكندرية «ثيوفيلوس» هذه البلاغات بأعظم الفرح والسرور، وبادر حالاً بتطهير معبد «ميثرا» وكسر الأصنام بمعبد سيرابيس الشهير، وعرَّض ما كان فيه، لسخرية المسيحيين. رغماً عن وجود كثيرين من أهل المدينة، ممن كانوا لا يزالون يكرِّمون هذا المعبد. فاجتمع منهم جمهورٌ عظيم، وثار مدافعاً عن دينه وتقاليده، فاصطدم الفريقان حتى جرى الدم كالسَّيل. إلا أن الوثنيين كانوا أقل عدداً، فاضطروا للانهزام، وهرب زعماؤهم من الإسكندرية خوفاً من الحكام.

ثم استأنف هذا الأسقف هدم معابدهم وكسر أصنامهم، وصبَّ منها أجراساً للكنائس، إلا صنماً واحداً أبقاه ليكون سخرية لرجاله. وقطعت الجنود صنم سيرابيس الخشبى بالفؤوس، وأحرقوه، أما رِجلاه فيُظنُّ بأنهما كانتا من الرخام، وإحداهما الآن محفوظة بالمتحف البريطانى فى لندن، ولا دليل على أصلها إلا ضخامتها.

وعند انتهاء معبد سيرابيس (السيرابيوم) تشتَّت السبعمائة ألف كتاب، التى كانت فيه. لأن المؤرِّخ الإسبانى «أوروسيوس» الذى زار الإسكندرية فى العهد التالى، لم يجد فيها أثراً لهذه الكتب، سوى الخزانات الخاوية.

وهنا، يجبرنا الإنصافُ أن نقول بأن كل اضطهاد دينى، هو ممقوت، سواء كان من وثنيين أم مسيحيين، لا سيما أنه يصيب أحرار الناس أكثر من سواهم. فإن الذين اضطهدهم أسقف الإسكندرية، كانوا من علماء ذاك الزمان. ومنهم «أولمبيوس» كاهن معبد سيرابيس، الذى كان مع كبر سنه ومقامه، رجلاً وديعاً حليماً عاقلاً مسموع الكلمة، لا عيب فيه كأفضل شهداء المسيحيين، ومثلهم، حُرَّ الأفكار. لا، بل إن الفرق بين الاضطهادين بعيد، لأن الاضطهاد الوثنى كان عن سياسةٍ واقتصادٍ فقط، أما الاضطهاد المسيحى فكان عن غلوٍّ فى دين أساسه الرحمة.

وبعد هذا الاضطهاد، لم يبق للوثنيين معابد ولا مدارس يأوون إليها بالإسكندرية. فانسحب البعض منهم إلى كانوبيس (رشيد) وفتحوا هناك مدرسة لتعليم الكتابة القديمة، وتحوَّلت معابدهم لكنائس بعدما طُمست نقوشها وصورها بالطين.

وثابر المصريون المسيحيون على تحنيط موتاهم، رغماً من تحريمها عليهم.. وكانوا قبلاً يصوِّرون إيزيس كالنجم «سيروس» طالعاً مع الشمس عند أول فيضان النيل، فصاروا يصوِّرون العذراء فوق هلال، صاعدةً إلى السماء. وكانوا يشعلون الشموع بمعابدهم المظلمة، فصاروا يشعلونها بالكنائس غير المظلمة، وكان لهم عيدٌ يسمى عيد الشموع، فصار عيد الشعانين. وكانوا فى الخامس والعشرين من شهر طيـبى (طوبة) يعيِّدون بأكلهم الحلوى، فصاروا يأكلونها فى السادس من هذا الشهر، فى عيد الظهور (القيامة). كما أنهم اتبعوا الطريقة المصرية القديمة، فى وضع الرتب الكهنوتية. وقلدوا أولئك الكهنة، بحلْق أواسط رؤوسهم. ومن قبل ألفىْ سنة، كان للمصريين كاهن فى «طيبة» لقبه «حاجب باب السماء» فصار حامل مفاتيح السماء، البابا.

وبعد أن صار الإيمان بالتثليث إجبارياً، انتدب الإمبراطور مائة وخمسين أسقفاً، لتقرير قانون الإيمان.. وبعد زمان «أثناسيوس» وسقوط الآريوسيين بالإسكندرية، انحصرت العلوم عند الوثنيين، من أمثال ثيون وديوفنطس، ممن وصلت إلينا كتبهم فى الحساب والجبر والهندسة.. ومن نتائج اضطهاد الآريوسيين (المسيحيين الموحِّدين بالله) بأول هذا العهد، تعطيل المدرسة العليا المسيحية التى كان يرأسها الفضلاء مدة القرنين الأخيرين، وكان أكثر التلامذة آريوسيين. فلما صارت السلطة للهوموسيين (الذين نسميهم اليوم:الأقباط) لم يبق بالإسكندرية مدرسة عليا، إلا عند الوثنيين، وضاعت حينئذٍ تعاليم كليمان وأوريجين. فلم يخرج فى هذا الزمان كاتب من المسيحيين، البتة. وإنما كان لمطران الإسكندرية «ثيوفيلوس» رسالات سنوية يصدرها إلى أساقفة مصر، يعيِّن لهم فيها يوم (عيد) الفصح، وفيها طعن بحق أوريجين.

ولما توفى الإمبراطور ثيودوسيوس، كان الحاكم فعلاً فى مصر، هو الأسقف (المطران) ثيوفيلوس، خصم الآريوسيين مذهباً، واليونان سياسةً، وبذلك استمال عواطف المصريين لجهته.. ومن تقاليد المسيحية الوثنية فى ذاك الزمان، إكرامهم لأشجارٍ لأنها مقدسة، فقالوا إن شجرة اللَّبخ (برسيا) هى شجرة يسوع المقدسة، لأنها أظلته وأبويه حينما أتوا مصر (رحلة العائلة المقدسة).. وبعدما رأينا انحطاط العنصر اليونانى فى الإسكندرية، بسقوط الحزب الآريوسى بالمائة الأخيرة، نرى انحطاط الإسكندرية وعجزها عن نفقة النظافة.. وكان بهذا الزمان من مشاهير الغرباء بالإسكندرية، بولس النطاسى (الطبيب) وسيزينيوس الفيلسوف الذى تنصَّر على يد البطرك ثيوفيلوس، لكنه لم يعترف بالبعث إلا بعد أن صار أسقفاً، وهو رجل متزوج! مع أن القانون يستدعى عِفَّة الأسقف. وكان البطرك ثيوفيلوس قد سأله أن يترك زوجته لدى ارتسامه (تعيينه) أسقفاً، لكنه أبى أن يهجرها. وكان قد درس الرياضيات بالإسكندرية، على يد الأستاذة «هيباتيا» ابنة «ثيون» الوثنية، فظلَّ يكاتبها بالمسائل العلمية، ويكلِّفها بإرسال آلات الرصد (الفلكى).

أما من ناحية الحالة الاقتصادية، فقد وصلت حينئذٍ إلى أسوأ الحالات.. وبعد موت البطرك «ثيوفيلوس» تجدَّد النـزاع بين الآريوسيين والهوموسيين (مجازاً: الأقباط) فأولئك كانوا يريدون «ثيموثاوس، وهؤلاء وهم الأكثرون يريدون «كيرلس» نسيب البطرك المتوفى، فتجادلوا وتشاحنوا وتضاربوا بالأسواق.. وكان الفوز لحزب كيرلس، فأقاموه بطركاً.

ولم يكن «كيرلس» أقل بغضاً للآريوسيين واليهود، من سلفه «ثيوفيلوس» وكان المسيحيون يتعدُّون على اليهود، لا سيما فى مسرح الألعاب والرقص يوم السبت. فتخاصموا يوماً وفصلت الجنود بينهم قبل أن يؤول الأمر إلى قتال، ولكن المسيحيين ادَّعوا بأن اليهود تهدَّدوهم بحرق الكنائس، فتجمَّعوا وعلى رأسهم البطرك (كيرلس) وهجموا على معابد اليهود فنهبوها وأحرقوها، وطردوا اليهود كافة من الإسكندرية.

فاستاء الحاكم أورستيس من تصرُّف البطرك، (المطران، الأسقف، البابا) ولا سيما من خسارة الجزية اليهودية، ولكن لما بلغ رهبان جبل نطريه (وادى النطرون) أن الحاكم يرغب فى التعرض للسلطة الكنسية، هرولوا إلى الإسكندرية وتجمهروا بأسواقها، حتى مَرَّ الحاكم فشتموه صارخين بوجهه: يا وثنى، يا إغريقى.. ورماه أحدهم (عمونيوس) بحجرٍ أدماه، فسلَّ الحرس سيوفهم وبدَّدوا هؤلاء الرهبان وطردوهم من الإسكندرية، وقبضوا على المجرم وقتلوه. فاعتبره البطرك (كيرلس) شهيداً، وأبَّنه باسم القديس توما! لكن الجمهور لم يطاوعه فى ذلك، فعدل عن رأيه وألغى التأبين.

ولكن كل هذه الشناعات، لا تعدُّ شيئاً إزاء ما كان من جناية هذا الأسقف ورعيته، على «هيباتيا» ابنة ثيون المولودة سنة ٣٧٠ ميلادية، البديعة الحسن والكمال واللطف والذكاء. كانت من علماء زمانها، وعن غير قصدٍ منها أثارت حقد الهوموسيين (أتباع كيرلس عمود الدين) لعدم اتِّباعها دينهم، فعقدوا نيتهم على هلاكها، وترقَّبوها.. هجموا عليها وسلُّوها من مركبتها، وجرُّوها من ثيابها، ورجموها حتى ماتت، ثم مزقوها وحملوها لأتون أحرقوها فيه، وذلك فى الصوم الكبير سنة ٤١٥ ميلادية.. ولضعف الحكم، ذهب دمها هدراً.

أما كتبة (مؤلفو) هذا الزمان المسيحيون، فما منهم أحدٌ يستحق الذكر. فإن كيرلس البطرك، لم يترك لنا سوى تشنيعه على النسطوريين ويوليان والرهبان المجسِّمين.. ورأى الإمبراطور فقر الإسكندرية فى هذا الزمان، فأمر بزيادة مائة وعشرين إردباً من القمح، للإحسانات اليومية.

وكانت مصر (والإسكندرية) فى القرن السادس الميلادى، قد تبرأت تماماً من مذهب آريوس، واتَّحدت على مذهب الطبيعة الواحدة الذى صار يسمى فيما بعد بالمذهب اليعقوبى (القبطى) وأبت أن تأخذ دينها عن إغريق القسطنطينية، وأنكرت قرارات مجمع خلقيدونية (المنعقد سنة ٥٤١ ميلادية) وكفَّر ديسقوروس خليفة كيرلس، الإمبراطور! فعزله وأقام بدلاً منه أسقفاً اسمه بروتيروس. ولكن عند دخول بروتيروس للإسكندرية محفوظاً بالجيش الإمبراطورى، استقبله الجمهور بالرجم والسهام. ولما التجأ مع الحرس إلى معبد سيرابيس الشهير، أضرموا فيه النار وأبادوهم عن آخرهم، واستبدوا بالمدينة حتى اضطر الإمبراطور أن يبعث جيشاً ضدهم ويقطع الإحسان عن المدينة مدة.

وبينما هذه الحوادث تعرقل الحكام وتزعزع أركان الدولة، كانت العربان تكتسب الجرأة لتشويش أطراف الإمبراطورية، والتعدى على مصر حتى جنوب الشلال. ولمدة ما، كانت الحامية البيزنطية المقيمة فى أسوان قادرة أن تصدَّهم عن التوغل فى البلاد. ولكن حين انضم إليهم النبط، دخلوا الصعيد وامتلأت أيديهم من الغنائم.. فتحرك إليهم القائد مكسيموس، وصالحهم على هدنة تمتد لمائة سنة! لكنه بعد قليل مات، فتحرك النبط (الأنباط) من جديد، وخرقوا المعاهدة وعاشوا فى البلاد.. وبانتصار هؤلاء النبط، تلاشت المسيحية من الصعيد، وعادت الوثنية من جديد، والبعض ممن تنصَّروا عادوا يصلّون مرة أخرى لإيزيس وسيرابيس.

إشارة: جميع ما ورد بهذه المقالة، عدا العبارات الشارحة الواردة بين القوسين، مأخوذ بنصِّه وحروفه من كتاب إسكندر صيفى، الذى لم يخرج فيه عما ذكره كبار المؤرخين العالميين، من أمثال ديورانت (صاحب موسوعة: قصة الحضارة) وجيبون (صاحب كتاب: قيام واضمحلال الإمبراطورية الرومانية).. وكتاب إسكندر صيفى (المنارة التاريخية) منشور فى مصر (المحروسة) وأصدرته المطبعة العصرية، بالقاهرة سنة ١٩٢٨ ميلادية، أى قبل قرابة ثمانين عاماً. وبالتالى لا يجوز قانوناً، إقامة دعاوى قضائية ضده، أو تقديم بلاغات للنائب العام.

Advertisements

0 Responses to “د. يوسف زيدان يكتب:المزيج السكندرى البديع”



  1. Leave a Comment

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s





%d bloggers like this: