كتب د. إسماعيل سراج الدين في جريدة الاهرام يوم 24 يوليو مقالا رائعا عنوانه ثقافتنــا العربيـــة وثقافـة المعرفـة لخص فيه رؤيته للاسباب التي تعوق تقدمنا. في اعقاب هذا المقال علق عليه د قدري حفني في مقال عنوانه “لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا ؟” ثم اعقبه د. جابر عصفور مقالا في الاهرام عنوانه ” ثقافتنا العربية وثقافة المعرفة”.

و قدجمعت اثلاث مقالات طبقا لتاريخ نشرها في هذه المقالة.

بداية قال د. إسماعيل سراج الدين :

تطرح ثقافتنا العربية المعاصرة العديد من الأسئلة في مواجهة ثقافة العصر الذي نحياه‏,‏ بكل آماله وتحدياته‏,‏ بانجازاته وإخفاقاته‏,‏ سأحاول في كلماتي أن التزم أقصي درجات الصدق والمصارحة الودود‏,‏ وعلي الرغم من أننا قد تعودنا الآن نسبيا علي نقد الذات‏,‏ بل وجلدها في أحيان كثيرة‏,‏ فإننا لا نزال بحاجة إلي مراجعة استراتجياتنا الفكرية‏,‏ تلك التي تقود حركتنا الجماعية‏,‏ لكي تتسق مع اتجاهات أفراد منا‏,‏ أبصروا طريق المستقبل‏,‏ ودعونا للمضي فيه قدما‏,‏ ولكننا لم نملك حتي الآن الإرادة الجمعية‏,‏ ولا الوعي الضروري‏,‏ لمتابعة هذه الطليعة الرائدة من قادة الفكر عندنا‏.‏

وربما كان موقعي حيث علاقتي المباشرة بالتحولات المعرفية‏,‏ والفروق الهائلة بين الثقافات الإنسانية‏,‏ ومعاناتي أحيانا في اليوم الواحد بين درجات الحرارة في مختلف القارات‏,‏ ما يتيح لي أن ألمس التباين الجذري فيما يشغل الناس شرقا وغربا‏,‏ جنوبا وشمالا‏,‏ مما يسمح لي ـ مدفوعا بقوة الانتماء ـ أن أسمي الأشياء بأسمائها في مظاهر التخلف والتقدم‏,‏ دون رضوخ للمبررات‏,‏ أو استسلام لحتمية الأسباب‏,‏ فأقول قولي هذا لأنني واحد من أبناء هذه الأمة العربية‏,‏ يعتز بماضيه‏,‏ لكنه لا يقدسه‏,‏ بل يحاول أن يكون وفيا له بتجاوزه والتفوق عليه‏,‏ ولايري أي موانع هيكلية تحول بيننا وبين التقدم السريع في طريق البناء الحضاري الخلاق‏.‏

ليست الثقافة كما تعرفون تقاس بحصيلة المعارف والآداب والفنون والآثار التي تمتلكها الأمم فحسب‏,‏ بل ولا بمنجزاتها التاريخية في العلوم والاختراعات‏,‏ بقدر ماهي القوة التي تتبقي من كل ذلك لتمثل الطاقة المتجددة والمبدعة للإنسان‏,‏ والقدرة علي مواجهة التحديات الطبيعية والبشرية‏,‏ والتفوق علي ضروراتها‏.‏ والفرق بين الثقافات المختلفة يتجسد في مدي هذه الطاقة وحيويتها‏,‏ فهناك ثقافات متجمدة‏,‏ متكلسة‏;‏ أقرب إلي الموت منها إلي الحياة‏,‏ وهناك ثقافات وثابة‏,‏ شابة‏,‏ متوالدة‏,‏ خلاقة‏,‏ مهما يكون عمرها‏.‏ فما هي دلائل هذه الحيوية‏,‏ وما حظنا منها في ثقافتنا العربية؟

أولا‏:‏ ورثنا من فترات الركود الحضاري أحادية النظرة في رؤية القضايا الخلافية‏,‏ فتعصب كل منا لرأيه‏,‏ ومصلحته‏,‏ واتهم غيره بالخطأ واشتط في ذلك حتي رماه بالخيانة أحيانا وبالكفر أحيانا أخري‏,‏ دون إدراك حقيقي لضرورة التحليل التفصيلي والاعتراف بتعدد الأبعاد في كل المشاكل‏,‏ والتسليم بتفاوت القدرات لدي الشخصيات العامة‏,‏ وانتزاع أجمل وأقوي ما في كل منها‏.‏ نميل إلي اختزال هذا الثراء في تعدد المنظورات إلي ثنائيات ضدية‏,‏ ونقيم بينها تعارضا مفتعلا‏,‏ مثل‏:‏ الأصالة والمعاصرة‏,‏ والمصلحة الخاصة والعامة‏,‏ وطموح الفرد ونهضة الأمة‏;‏ ليس هناك تناقض علي الإطلاق بين هذه الأطراف‏,‏ بل إن جدليتها هي التي تصنع حركة الإنسان والمجتمعات‏.‏

ثانيا‏:‏ يؤدي هذا التشبث المتعصب بأحادية النظرة إلي الضحالة والسطحية‏,‏ وافتقاد العمق في التحليل‏,‏ والعجز عن تنمية الوعي بمعرفة دوافع الآخرين وبراهينهم‏,‏ إنه يشف عن فقر الفكر بمقدار ما يقود إلي تحوله إلي سلوك عدواني غريزي‏,‏ من هنا يفقد قدرته علي الحوار‏,‏ ويفتقد إلي روح التسامح ويضيع مفهوم حق الاختلاف‏,‏ بل وإمكان الخطأ الذي يحرر المجتهد ويصون إمكاناته‏.‏

ثالثا‏:‏ إن العرب والمسلمين هم الذين رفعوا راية العلم والمعرفة‏,‏ منذ أكثر من ألف عام‏,‏ حين تمردوا علي النص الأرسطي الموروث وأرسوا قواعد المنهج العلمي الحديث‏,‏ المبني علي التجريب والقياس‏,‏ وذلك قبل ستة قرون من ظهور جاليليو‏,‏ الذي أجبرته محاكم التفتيش في أوروبا علي التراجع‏,‏ بينما كان العلم بأيدي عمالقة مثل ابن الهيثم يتقدم في العالم العربي الإسلامي‏.‏

ولعلنا نتذكر في هذا الصدد كلمات ابن الهيثم التي يقول فيها‏: “نبتديء في البحث باستقراء الموجودات وتصفح أحوال المبصرات‏,‏ ونميز خواص الجزئيات‏,‏ ونلتقط بالاستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار‏,‏ وما هو مطرد لا يتغير‏,‏ وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس‏.‏ ثم نترقي في البحث والمقاييس علي التدريج والترتيب‏,‏ مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج‏,‏ ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه‏,‏ استعمال العدل لا اتباع الهوي‏,‏ ونتحري في سائر ما نميزه وننتقده‏,‏ طلب الحق لا الميل مع الآراء‏.‏”

رابعا‏:‏ إن مجتمع العلم والمعرفة الذي أقاموه طوال فترات القرون الوسطي كان مجتمع التسامح والانفتاح‏..‏ فلنتذكر أيضا كيف كان أبو العلاء المعري‏,‏ المعاصر لابن الهيثم شاعرا ضريرا يقيم في قرية معرة النعمان يطلق فكره وخياله ولسانه بما يعده مجتمعه خروجا وزندقة‏,‏ ولكنه يظل حجة في اللغة وإماما في الأدب ومرجعا في فلسفة الفكر حتي يومنا هذا‏,‏ فإذا ما تذكرنا بعض شواهده الجسور أدركنا إلي أي حد كانت حريته وكانت سماحة المجتمع الذي يحتضنه ويعلي قدره رغم اختلافه معهم في الفكر‏.‏

خامسا‏:‏ إن هذا المجتمع المنفتح المتسامح‏,‏ لا يفسح المجال للإبداع الأدبي والفني فحسب‏,‏ بل يتسع صدره للتعبير عن الشك والإيمان لهؤلاء الذين ـ مثل أبي العلاءالمعري ـ يفصحون عما في قلوبهم في رحلتهم من التساؤل إلي اليقين‏,‏ ومن الشك إلي الإيمان‏..‏ إن هذا المجتمع لا يخشي الغزو الثقافي ولا يخاف ترك الموروث والمتعارف ولا يهاب احتضان الجديد الغريب‏..‏ فإليكم كلمات ابن النفيس في القرن الثالث عشر الميلادي‏: “وربما أوجب استقصاؤنا النظر عدولا عن المشهور والمتعارف‏,‏ فمن قرع سمعه خلاف ما عهده فلا يبادرنا بالإنكار‏,‏ فذلك طيش فرب شنع حق‏,‏ ومألوف محمود كاذب‏.‏ والحق حق في نفسه‏,‏ لا لقول الناس له‏.”‏

وأرجو ألا يفهم من قولي هذا أنني ممن يقدسون الماضي ولا يعبأون بما فيه من أخطاء‏,‏ بل رويت هذه الأمثلة للتذكرة بجوهر روح الانفتاح والتسامح التي ليست بالدخيلة علي ثقافتنا‏,‏ بل هي أصيلة في تراثنا‏,‏ وإنني اعترف أن كثرة تغنينا بميراثنا الحضاري القديم‏,‏ دون إدراك حقيقي لمقوماته أدي إلي أننا نتصور في كثير من الأحيان أن الماضي والحفاظ عليه وتقديسه هو النموذج الذي ينبغي احتذاؤه في صناعة المستقبل‏,‏ وهذا أكثر الأوهام فتكا وأشدها ضلالا‏.‏ صحيح أنه كان من الضروري لنا ـ لكي نمتلك الثقة في شخصيتنا القومية ولا ننسحق أمام الآخر‏,‏ خاصة في الفترات الاستعمارية ـ أن نستنجد بهذا المضي‏,‏ ونستمد منه قوة المقاومة‏,‏ والثقة في الذات‏,‏ لكننا بعد أن تخطينا هذه المرحلة‏,‏ نضر بأنفسنا أفدح الضرر عندما نتحول إلي عبادة الأسلاف بدلا من احترامهم‏..‏ وفي هذا الصدد نذكر أيضا مقولة ابن النفيس دعما للتجديد والمجددين‏.‏ ولنذكر قولهم‏:‏ إذا تساوت الأذهان والهمم‏,‏ فمتأخر كل صناعة‏,‏ خير من متقدمها‏.‏

لا يجوز أن ندير ظهورنا لحركة التاريخ‏,‏ ونتصور واهمين أننا عوالم مغلقة علي ذاتها‏,‏ تعيش وحدها علي هذا الكوكب‏,‏ فنصاب بداء مدهش من الرضوخ للصبغة المحلية والإقليمية‏,‏ نحاول أن نخترع العجلة في مشكلات الدول والثقافة‏,‏ ويكفينا أن ننظر حولنا‏,‏ لنعرف كيف واجه غيرنا ذلك لنتعلم ونبني علي أسسه‏.‏ ومما يجب التأكيد عليه في هذا المجال هو تعليم البنت وتمكين المرأة لتلعب دورها كاملا في شتي مجالات الحياة‏,‏ فلا تقدم حقيقيا يحرز في المجتمعات التي لاتنصف المرأة ولا تعترف بدورها المحوري الخلاق‏.‏ فالأم مدرسة إذا أعددتها‏..‏ أعددت شعبا طيب الاعراق

سادسا‏:‏ علي أن ذلك يرتبط بداء آخر‏,‏ هو البعد عن الثقافة العلمية المعاصرة التي أصبحت المقياس الحقيقي لحيوية الثقافات فمن المعروف أن الفلسفة في العصور القديمة كانت أم المعارف وذروة هرمها‏,‏ هي التي تمثل أسس الأفكار وتوجه حركة الشعوب مدنية أو عسكرية‏,‏ وقد أضحي العلم اليوم هو القطب الذي يوجه حركة المعرفة ومسيرة الحضارة‏,‏ ومن ثم أصبحت سيادة التفكير العلمي والثقافة العلمية هي ضمان المعرفة والتقدم‏,‏ ولا سبيل لنا للاسهام في تشكيل الحضارة المعاصرة من الدخول في هذا السباق العلمي‏,‏ بكل طاقاتنا المادية والبشرية علي جميع المستويات الفردية والجماعية‏.‏

سابعا‏:‏ وهذه مشكلة حساسة‏,‏ آن لنا أن نواجهها بشكل حاسم ونهائي‏,‏ وهي اقحام الدين فيما لا علاقة له به وتحكيم رجال الدين في مختلف شئون الحياة‏,‏ وانفجار عصر الفتاوي العشوائية وسيادة الدعاة المحترفين والمتطوعين‏.‏

إن الميزة الكبري للاسلام هي الاهتمام القاطع بشئون الدنيا والاحتكام للخبرة الانسانية في ادارتها منذ حادثة تأبير النخل الشهيرة في التراث الاسلامي وكلمة الرسول‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ الجامعة‏:‏ أنتم أعلم بشئون دنياكم فلدينا الحرية في ادارة مجتمعاتنا اعتمادا علي مصلحة الناس وحكم العقل وخبرة التاريخ ونمو المعرفة العلمية‏,‏ بما في ذلك صياغة القوانين التي تخدم النفع العام مستأنسة بفهمنا للثوابت في تراثنا‏,‏ منفتحة علي التطورات الجديدة واحتياجاتها‏.‏ وانني أري أنه من الضروري ألا نقحم الدين في أمور‏,‏ الرأي فيها ليس لعلماء الدين‏,‏ ولكن لأهل التخصص‏,‏ لانها أمور لاتتعلق بالحل والحرمة‏,‏ بل بالصواب والخطأ قياسا علي المصلحة العامة القابلة للتغيير حسب الزمان والمكان والظروف‏.‏

فإذا قررنا أن نحدد السرعة علي الطريق بين القاهرة والاسكندرية بمائة كيلو متر في الساعة‏,‏ فليس معني هذا أن‏(110)‏ مائة وعشرة كيلو مترات في الساعة حرام‏,‏ وأن‏(90)‏ تسعين كيلو مترا في الساعة حلال‏,‏ فان مثل هذه القرارات ـ وغيرها الكثير الكثير ـ تبني علي نوعية الطريق‏,‏ وتكنولوجيا الانتقالات‏,‏ واحصاءات الحوادث في الطرق‏,‏ وكلها موضوعات أهل الاختصاص وليست مجالا لخوض علماء الدين فيها‏.‏

وإننا نتعجب لهذه الظاهرة التي تتجه بكل كبيرة وصغيرة إلي علماء الدين للحصول علي فتوي‏,‏ حتي اذا كان الموضوع ليس موضوعا دينيا‏,‏ وفي هذه الظاهرة تعطيل للعقل‏,‏ فهي تبتغي تحميل مسئولية القرار ـ أيا كان هذا القرار ـ علي صاحب الفتوي‏,‏ بينما عرفنا من كبار مفكرينا ـ مثل عباس محمود العقاد ـ أن التفكير فريضة إسلامية وان استعمال العقل واجب علي المسلمين‏.‏

والوجه الآخر لهذه الظاهرة المقلقة‏,‏ هو إقحام الدين في تقييم العمل الفني‏,‏ بما في ذلك من فرض رقابة اجتماعية شرسة من فئة منغلقة متعصبة علي ما يجوز للمجتمع أن يقرأه أو يسمعه أو يراه‏,‏ وذلك لانها لاتري رأيا غير رأيها‏,‏ ولاتريد التعددية وثراءها الثقافي في المجتمع‏,‏ ونحن لسنا من أنصار مصادرة الافكار ليس فقط لان ذلك ضد الحرية‏,‏ وإنما لانه يحقق شهرة وانتشارا لاعمال لاتستحق ذلك‏.‏ ولتنظيم مجتمعاتنا أقول‏:‏

أقول في شأن الدين ونظم الحكم‏,‏ بعد ان ابتكرت الثقافة الانسانية الصيغة الديمقراطية المتجددة التي هي تحقيق للمبدأ الاسلامي الأصيل وأمرهم شوري بينهم أقول لابد في مجتمعاتنا العصرية‏,‏ المتعددة المكونات أن نؤكد مفهوم المواطنة ومساواة المواطنين أمام القانون رجالا ونساء‏,‏ مسلمين وغير مسلمين‏.‏

وأقول ايضا‏:‏ لا شأن للدين بأمور العلم‏,‏ بعد أن تطورت المعارف بسياج أخلاقي يحميها‏,‏ وان كانت التطبيقات التكنولوجية للمباديء العلمية في كل المجتمعات تحتاج إلي القيم الأخلاقية ـ الدينية والفلسفية ـ لتوجيهها‏.‏

لقد آن لنا أن نحافظ علي ديننا بالتمسك بروحه‏,‏ والتحلي بخلقه‏,‏ والتحرر من حرفية بعض فقهائه في ادارة شئوننا الجماعية لنكون أقوي وأكثر تقدما‏.‏

شجون الثقافة العربية تبعث الكثيرين علي اليأس‏,‏ لكننا عندما نتتبع مسارات الثقافات الموازية في القارات القديمة والجديدة في الشرق والغرب‏,‏ ندرك أننا لسنا وحدنا من يواجه هذه الاشكاليات‏,‏ وأن غيرنا قد سبقنا في الانتصار علي صعوبات التنمية العلمية والمعرفية‏,‏ وأن الامم العريقة التي استطاعت تطويع تراثها وتدريب ثقافتها علي الانفتاح والتعددية‏,‏ وأن تستوعب مقتضيات ثقافة المعرفة من نهم التجديد‏,‏ والالتزام بالتطورات المنهجية للعلوم الطبيعية والانسانية دون تفرقة‏,‏ ومساءلة الموروث الثقافي ونقده بل نقضه أحيانا‏,

‏ اعتمادا علي الحجة والبرهان وتغليبا للصالح العام‏,‏ والتقيد بمنظومة القيم الأخلاقية لعصر العلم‏,‏ مع الحفاظ علي المرتكزات الروحية لثقافتنا القويمة‏,‏ كل ذلك في تقديري يضمن لنا تأسيس مجتمعات المعرفة‏,‏ وتأصيلها في وعينا الجماعي وارادتنا الكلية‏.‏ إن المثقف بطبيعته‏,‏ يجب عليه ان يأخذ موقفا ناقدا تجاه مجتمعه‏,‏ فليس دوره التأكيد علي الأيديولوجيات السائدة بل مساءلتها‏,‏ فهو عنصر التجديد الفكري في المجتمع‏,‏ ولكنه في الوقت نفسه‏,‏ حافظ هوية هذا المجتمع ومن ثم عليه التجديد مع التأصيل‏,‏ فيضمن العودة إلي الجذور من جهة‏,‏ والانفتاح علي الجديد من جهة أخري‏,‏ فكل ثقافة حية متغيرة متجددة يجب عليها التواصل مع ماضيها والانفتاح علي غيرها‏,‏ فيصبح التجديد مع التأصيل دور المثقف في كل مجتمع‏,‏ فان الجري وراء الجديد دون تأصيل سيؤدي إلي التخبط في الضياع‏,‏ كما ان الانغلاق في الماضي ورفض الجديد الوافد‏,‏ هو استسلام لانتحار بطيء‏.‏ لابد لواقعنا الثقافي العام من توطين الثقافة العلمية والنزوع المعرفي الاصيل الذي يتوافق مع الدعوة الحضارية التي رأيناها في نصوص العلماء العرب‏,‏ ويتوافق في الوقت ذاته مع طبيعة العصر الذي نعيش فيه‏.‏

ولايمكن للمجتمع ان يتجه بقوة إلي العلم والمعرفة‏,‏ من دون الاهتمام بالمستقبل ومن ثم الاهتمام بالشباب الذين هم القوة المحركة للزمن القادم‏,‏ ان الامكانات الهائلة المتوفرة في أجيال الشباب ينبغي تفعيلها بأقصي طاقاتها لضمان الدخول بالمجتمع العربي وبثقافته العامة إلي أبواب المستقبل بعيدا عن الآفات التي ذكرناها في بداية حديثنا‏.‏

ولعل في هذا ما يكون في الوقت ذاته دعوتنا للمستقبل حيث يتعين علينا‏:‏

ـ فتح المجال للشباب من أجل القيام بدورهم في قيادة حركة المجتمعات العربية‏.‏

ـ فتح الابواب للتعددية والتواصل مع التيارات العالمية‏.‏

ـ الدخول في عصر الثورة العالمية المعرفية‏.‏

إن ثقافتنا العربية متجددة بلا ريب‏,‏ وثابة بعقول أبنائها‏,‏ متخلصة من قيود بالية يريد البعض فرضها عليها محققة لقول الشابي‏:‏

إذا الشعب يوما أراد الحياة‏..‏ فلابد أن يستجيب القدر

ولابـــــد لليـــــــل أن ينجـــــلي‏..‏ ولابد للقيـــــد أن ينكســـر

و تعقيبا على مقال د. اسماعيل سراج الدين كتب د‏.‏قدري حفني مقالا في الاهرام عنوانه: “لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا ؟” قال فيه:

نشر الصديق اسماعيل سراج الدين مؤخرا مقالا بالاهرام اختار له عنوانا ملفتا ثقافتنا العربية وثقافة المعرفة حاول فيه بإيجاز مكثف حكيم ان يجيب علي ذلك التساؤل المؤلم تري لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا‏,‏ مرجعا ذلك الي فترات الركود الحضاري التي أورثتنا احادية النظرة في رؤية القضايا الخلافية‏,‏ مما ادي الي الضحالة والسطحية‏,‏ وافتقاد العمق في التحليل‏,‏ مشيرا الي ان السيادة العلمية للعرب طوال فترات القرون الوسطي قد ارتبطت بإقامتهم مجتمع العلم والمعرفة والتسامح والانفتاح الذي يتسع صدره للتعبير عن الشك والايمان‏,‏ والذي لايقحم الدين فيما لاعلاقة له به من شئون الدنيا‏.‏

وليس من شك في ان الكثير من المثقفين المصريين يقلقهم ما اقلق اسماعيل سراج الدين‏,‏ ولاشك انهم قد يتفقون معه علي العديد من ملامح تشخيصه لازمتنا الراهنة‏,‏ ولكن ارجاع الازمة إلي ما أطلق عليه فترات الركود الحضاري قد يحتاج لمزيد من التوضيح ربما ضاقت عنه المساحة المتاحة لمقاله‏,‏ فعلاج العلة يتوقف علي استقصاء تاريخها‏.‏

واظن ان الصديق اسماعيل سراج الدين يتفق معي في اننا كنا نشهد في النصف الثاني من الثلاثينات وحتي نهاية الاربعينيات‏,‏ مناخا فكريا مختلفا‏.‏ ففي وقت شهد تعدد التيارات السياسية المختلفة‏,‏ بل شهد كذلك بزوغ حركة الاخوان المسلمين‏,‏ نشر المفكر الاسلامي احمد زكي ابوشادي مقالا في مجلة الامام بعنوان عقيدة الالوهية يطرح فيه جذور عقيدة الالوهية في الإسلام‏.‏

واثار هذا المقال كاتبا مصريا شابا هو الدكتور اسماعيل ادهم فنشر مقالا مطولا لم يلبث ان حوله الي كتاب عنوانه لماذا انا ملحد؟ يكفينا الاشارة الي عنوانه الصادم تري ماذا كان رد فعل المثقفين المصريين انذاك؟حين اطلع الدكتور ابوشادي علي المقال كتب يرد عليه تحت عنوان لماذا انا مؤمن ؟ وكان ثمة رد فعل من مجلة الازهر التي كان يرأس تحريرها في ذلك الوقت المفكر الاسلامي المعروف محمد فريد وجدي الذي كتب في العدد السابع من المجلة يقول‏:‏

نحن الآن في مصر‏,‏ وفي بحبوحة الحكم الدستوري‏,‏ نسلك من الكتابة والتفكير هذا المنهاج نفسه فلا نضيق به ذرعا مادمنا نعتقد اننا علي الحق المبين‏,‏ وان الدليل معنا في كل مجال نجول فيه‏,‏ وان التسامح الذي يدعي انه من ثمرات العصر الحاضر هو في الحقيقة من نفحات الإسلام نفسه‏,‏ ظهر به اباؤنا الاولون ايام كان لهم السلطان علي العالم كله فقد كان يجتمع المتباحثون في مجلس واحد بين سني ومعتزلي ومشبه ودهري‏..‏ الخ فيتجاذبون المسائل المعضلة فلم يزد الدين حيال هذه الحرية العقلية الا هيبة في النفوس وعظمة لرسالة ترامت الينا بعنوان لماذا انا ملحد؟ نشرها حضرة الدكتور اسماعيل احمد ادهم في مجلة الامام الصادرة في اغسطس‏1937‏ ثم افردها في كراسة تعميما للدعوة‏..‏ ويمضي محمد فريد وجدي مفندا ماقال به اسماعيل ادهم حريصا علي ان تسبق اشارته اليه بلقب حضرة الدكتور اسماعيل احمد فهمي

تري كيف حدثت تلك النقلة الفكرية عبر نصف قرن أو يزيد ؟ لننظر معا في أبرز احداث تلك الفترة فلعل فيها مايفسر ماحدث لقد شهدنا خلال هذه الفترة ـ فيما يتعلق بموضوعنا ـ قيام ثورة يوليو‏1952,‏ ثم هزيمة يونيو‏1967,‏ ثم انتصار اكتوبر‏.1973‏

لقد كان لنظام يوليو ايجابياته وسلبياته‏,‏ كان نظاما يسعي لرفع الظلم الاجتماعي‏,‏ ولكنه اقدم في نفس الوقت علي تضييق مساحة ممارسة الحق في التعبير الحر الجماعي المنظم‏,‏ ومن ثم ذبلت مؤسسات المجتمع المدني‏,‏واصبح الرأي الآخر يمثل خروجا علي اجماع الامة ينبغي ادانته‏,‏ومع وقوع كارثة الهزيمة في يونيو‏67‏ وارتفاع شعار لاصوت يعلو فوق صوت المعركة تحول ذلك التضييق الي ضرورة ثورية في ظل هذا المناخ سادت ثقافة الهزيمة التي تقوم علي أن الغرب كل الغرب متآمر علينا وعلي عروبتنا واسلامنا‏,‏ وان تدهور واقع المسلمين انما يرجع اساسا الي ابتعادهم عن صحيح الدين واقترابهم من العلمانية‏,‏ وتم في هذا السياق خلط بين العلمانية والعلم‏,‏ بحيث اصبحنا نقيم التقدم العلمي الغربي من منظور الحلال والحرام وليس الصواب والخطأ

وغني عن البيان أن ثقافة الهزيمة لاتمحي بانتصار عسكري مهما كان حجمه‏,‏ فلقد خلقت تلك الثقافة شرائح من المستفيدين منها اقتصاديا وسياسيا‏,‏ وحافظ هؤلاء المستفيدون ـ ومازالوا ـ علي مواقعهم في دهاليز السلطة العربية والاعلام العربي‏.‏

وأظن أن المفتاح مازال في يد السلطة المصرية الراهنة التي تستند الي شرعية ثورة يوليو‏,‏ في يدها تعديل المسار والاقلاع عن بقايا سياسات الحظر والمنع والتقييد‏,‏ وفتح الابواب دون خوف امام جميع التيارات السياسية والفكرية‏,‏ وليكن المحظور الوحيد انذاك هو النشاط السري والتمويل الخارجي واحراز السلاح بصورة غير شرعية‏.‏

ان تلك الخطوة المقدامة سوف تتطلب مواجهة اولئك المستفيدين من ثقافة الهزيمة في الداخل والخارج الذين سوف يقاتلون بشراسة دفاعا عن مكاسبهم‏,‏ ولكن تلك المواجهة هي الضمان الوحيد لعبور التخلف‏,‏ بل واستمرار الحفاظ علي تجديد ريادة ثورة يوليو التي نحتفل بعيدها السابع والخمسين‏.‏

و كتب د. جابر عصفور مقالا في الاهرام تعقيبا على مقال د اسماعيل سراج الدين عنوانه ” ثقافتنا العربية وثقافة المعرفة” قال فيه

أستعير هذا العنوان الذي جعله إسماعيل سراج الدين عنوان مقال بالغ التميز نشرته صفحة القضايا والآراء‏(‏ عدد‏23‏ يوليو الماضي‏)‏ ويرجع تميز هذا المقال إلي أنه يأتي في إطار الدعوة إلي مراجعة استراتيجياتنا الفكرية التي تقود حركتنا الجماعية‏,‏ وذلك عن طريق طليعة مستنيرة‏,‏ تطرح رؤيتها علي الأمة‏,‏ وتلح علي هذا الطرح‏,‏ إلي أن تخلق تيارا فكريا مؤثرا‏,‏ يستطيع بما له من قدرة علي الإقناع وتقديم النموذج أن يستميل إليه القابلين للاستنارة شيئا فشيئا‏,‏ إلي أن يكثر عددهم فيصبحون صناع رأي فاعل ومؤثر والحق أن الصفة المبدئية التي لابد أن تتسم بها هذه الطليعة هي اعتزازها بماضيها لكن دون تقديس‏,‏ واحترامها لهويتها القومية والثقافية لكن دون تعصب ولا ينفصل عن ذلك أن تكون أعين هذه الطليعة علي المستقبل والتفكير في كيفية الوصول إلي ذري التقدم فيه ويعني ذلك الوعي بأننا بعض العالم المتغير‏,‏ وأننا لابد أن نصنع لأنفسنا مكانة بارزة فيه‏,‏ مسلحين بالعلم وثقافة نسغها الابتكار ولحمتها وسداها الاعتراف بحق الاختلاف والإيمان بالتنوع الخلاق‏.‏ ويذكرنا إسماعيل بسبع عقبات تحول دون وصول هذه الطليعة إلي غاياتها‏,‏ هذه العقبات هي سلبيات أساسية لا تزال تحول دون وصول ثقافتنا العربية إلي مستوي العالم المتقدم الذي نراه ونعرفه‏,‏ لكن دون أن نصل إلي آفاقه المعرفية المتقدمة والمتطورة‏,‏ بسبب هذه العقبات التي تحولت إلي وباء يمارس تأثيره المدمر في حياتنا واختصر هذه العقبات فيما يلي‏:

1. النظرة الأحادية التي ورثناها عن فترات الجمود الحضاري‏,‏ واكتسبناها من كل فكر لا يري العالم إلا من منظور ضيق‏,‏ متصلب‏,‏ يرفض الاختلاف‏,‏ ويميل إلي التعصب

2. الضحالة والسطحية المترتبة علي هذه النظرة

3. غياب التسامح وسيطرة التعصب‏,‏ ومن ثم شيوع الأصولية‏,‏ والميل إلي القياس علي الماضي‏,‏ وحده‏,‏ وكراهة الإجماع والعداء للخروج علي الجماعة السائدة‏,‏ علي النقيض مما كان يقول به ابن النفيس من أن الحق حق في نفسه لا لقول الناس له

4. ‏تحول كراهة الخروج علي الجماعة إلي حجر علي الاجتهاد المخالف مع أن المجتهد مثاب وإن أخطأ

5. ‏التضييق علي الإبداع‏,‏ خصوصا في المجالات التي ترفض الأصولية الفكرية والدينية أو وضعها موضع المساءلة‏,‏ ابتداء من شعر بشار بن برد إلي أبي العلاء إلي المبدعين المعاصرين في الآداب والفنون

6. البعد عن الثقافة العلمية‏,‏ بل تحكيم رجال الدين فيها وفي غيرها مما لا خبرة لهم به

7. التراتب المعرفي والاجتماعي القسري الذي يفصل‏,‏ أولا‏,‏ ثقافة الخاصة عن العامة‏,‏ ويمايز‏,‏ ثانيا‏,‏ بين المرأة والرجل‏,‏ وممارسة أقسي أشكال التمييز ضد المرأة‏,‏ الأمر الذي يترتب عليه تعطيل نصف المجتمع عن الإسهام في تطوره

هذه العقبات أو الأمراض السبعة هي عراقيل تحول دون تقدمنا الثقافي‏,‏ كما لاحظ إسماعيل سراج الدين بحق وهو علي حق كذلك في ضرورة الفصل بين العلمي المدني‏,‏ والديني الروحي‏,‏ فالأول معيار الصواب فيه التجربة التي تؤدي إلي السلب والإيجاب‏,‏ والثاني القيم والخلق والمثل الرفيعة

ولم تتطور دول العالم المتقدم إلا بعد أن نجحت تماما في فصل الدين عن الدولة من ناحية‏,‏ وفصل العلم عن الدين من ناحية موازية وبداية التقدم أن يعرف الدين‏(‏ أعني رجال الدين‏)‏ مجاله وحدوده‏,‏ وأن ينطلق التجريب العلمي والاجتهاد الفكري إلي مدي لا تحده حدود من خارج العلم أو الفكر‏.‏ ولا يملك أي قارئ منصف يتأمل مقال إسماعيل سراج الدين سوي أن يعجب به ويوافق علي كل ما قيل فيه‏,‏ وما كتبت الأسطر السابقة إلا لإعلان موافقتي علي كل ما قاله إسماعيل سراج الدين‏,‏ خصوصا في مجال تشخيصه لأمراض ثقافتنا المعاصرة وليس عندي‏,‏ بعد ذلك‏,‏ سوي ملاحظة أقرب إلي الإضافة‏,‏ وتتصل بأن تحليله العميق أغفل الأبعاد الاجتماعية الاقتصادية‏,‏ فضلا عن السياسية‏,‏ فهي أبعاد تؤدي‏,‏ بدورها‏,‏ إلي تعميق السلبيات والإضافة إليها وأول ذلك البعد الاجتماعي‏,‏ ويظهر ذلك عندما يتسم البناء الاجتماعي بالجمود ورفض الحراك والتغيير‏,‏ نتيجة موروثات ينبني عليها المجتمع التراتبي البطريركي ويثبت عليها‏,‏ ومنها تمييز الكبير علي الصغير دائما‏,‏ والرجل علي المرأة في كل الأحوال‏,‏ والأصلي علي الوافد‏,‏ وابن القبيلة الحاكمة علي بقية الأمة‏,‏ ومعتقد الأغلبية علي الأقلية‏,‏ دينيا‏,‏ فضلا عن رفض التغيير والاسترابة في الجديد أما البعد الاقتصادي الذي يبدو تأثيره واضحا في الأمم الفقيرة‏,‏ ذات الانفجارات السكانية‏,‏ خصوصا حين يؤدي الفقر إلي تزايد الأمية وانهيار التعليم بكل مراحله ويغدو الهدف من التعليم توفير مجال أوسع للحصول علي الرزق‏,‏ أو الوصول إلي مكانة اجتماعية أعلي‏,‏ بعيدا عن تكوين باحثين يسهمون في الارتقاء بمستويات البحث العلمي‏,‏ فضلا عن ضآلة ما تنفقه الدولة الفقيرة علي البحث العلمي‏,‏ ومن ثم عدم وجود أسس تحتية قوية للبحث العلمي توازي الوعي بضروة الثقافة العلمية وتنميتها

وأخيرا يأتي العامل السياسي الذي يمكن أن يتضافر مع هذه العقبات أو الأمراض‏,‏ ويحدث ذلك حين يكون النظام السياسي نظاما استبداديا‏,‏ وعندئذ يتوافق رفض الاختلاف السياسي مع رفض الاختلاف الفكري أو الاجتهاد في الفكر الديني ويتحالف الاستبداد السياسي مع الاستبداد الديني‏,‏ وتصبح الأصولية السياسية هي الوجه الآخر للأصولية الدينية أو الفكرية وتنتقل عدوي الاستبداد من النظام السياسي إلي المجتمع والثقافة علي السواء‏,‏ فتشيع طبائع الاستبداد التي وصفها وصفا باهرا عبد الرحمن الكواكبي في مطلع القرن الماضي‏,‏ وينتقل العنف من أعلي إلي أسفل‏,‏ وتتحرك عدواه أفقيا ورأسيا‏,‏ شاملة كل شيء في المجتمع‏,‏ ماديا أو معنويا‏,‏ فتتسم الثقافة بالصفات السلبية السبع التي تحدث عنها إسماعيل سراج الدين بحق‏,‏ بل ما هو أكثر منها مما يمكن أن نصنفه ضمن أمراض الثقافة العربية التي توقف إسماعيل سراج الدين‏,‏ فيما أحسب‏,‏ عند البعض البارز منها ليشير به إلي الكل‏,‏ معتمدا علي فطنة القارئ الذي لابد أن يستدل بالمذكور علي غير المذكور من أمراض الثقافة العربية المعاصرة التي لابد من إسهام كل العقول في المراجعة الجذرية لها دون خوف من أية سلطة خارج البناء الثقافي الذي أوشك علي الانهيار الكامل‏,‏ لولا جهود هذه الطليعة التي ينتسب إليها إسماعيل سراج الدين وأمثاله من الحالمين بمستقبل أفضل‏,‏ عفي‏,‏ للثقافة التي لا يزالون ينتسبون إليها مهما كانت أمراضها

Advertisements

0 Responses to “”



  1. Leave a Comment

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s





%d bloggers like this: