ذاكرة الدولة المدنية بقلم : جابر عصفور

في جريدة الاهرام عدد يوم 2 فبراير كتب جابر عصفور مقالا يؤرخ للدولة المدنية في مصر منذ عصر محمد علي و قد اعجبني لانه يكمل حوار دار على الفيسبوك حول دور محمد علي في انشاء مصر الحديثة و بالتالي رأيت ان اشاركمكم فيه

كتب جابر عصفور:

منذ أن دخلت مصر عهدها الحديث‏,‏ وهي تؤسس حضور الدولة المدنية‏,‏ بدأ ذلك بإرسال البعثات التي ارسلها محمد علي إلي اوروبا‏,‏ وبخاصة فرنسا التي كان الشيخ رفاعة الطهطاوي‏(1801‏ ـ‏1873)‏ اول من نقل عنها نظم الدولة الحديثة‏,‏ وترجم للمرة الاولي ما يؤسس لمعني الدولة المدنية ومؤسساتها‏,‏ والمبادئ التي تقوم عليها‏,‏ ولذلك كان من الطبيعي أن ينقل عن روح الشرائع لمنتسكيو‏(1689‏ ـ‏1755)‏ ما يؤكد تقبله لمبدأ الفصل بين السلطات الذي أوضحه منتسكيو في كتابه‏,‏ متابعا ما سبق أن أسسه الفيلسوف الانجليزي جون لوك‏(1632‏ ـ‏1704)‏ فيما يتصل بضرورة الفصل بين القوي من ناحية والحكومة المقيدة من ناحية مقابلة‏,‏ وكانت تلك نقطة الانطلاق الي فهم المجتمع المدني ليس بوصفه نقيضا للدين وانما من حيث هو مجتمع المؤسسات القانونية التي لا مكان فيها لحكم رجال الدين بوصفهم رجال دين او ملالي او أئمة‏,‏ بل الحكم للدستور والقانون المدنيين اللذين يعنيان تأسيس المجتمع علي مبادئ مستنبطة‏,‏ بواسطة البحث العقلاني للبشر من ا لطبيعة العامة للحياة الاجتماعية الانسانية‏,‏ وذلك تحقيقا لمصلحة الجماعة‏,‏ وبهدف تطورها وتقدمها ما ظل البشر ادري بشئون دنياهم‏,‏ ولذلك تقبل رفاعة الدستور الفرنسي الصادر سنة‏1830‏ وهو الدستور الذي يؤكد رفاعة انه قائم علي مبادئ لا ينكر ذوو العقول انها من باب العدل وانه دليل علي امكان وصول ابناء الأمة الي عقد اجتماعي يحقق لهم التقدم‏,‏ خصوصا حين تحكم عقول حكمائها ان العدل والانصاف من اسباب تعمير البلاد وراحة العباد‏,‏ ودليل ذلك ما حدث عند الفرنساوية الذين تراكمت ثرواتهم وتزايدت معارفهم وتقدمت علومهم فلا تسمع فيهم من يشكو ظلما أبدا‏,‏ والعدل اساس العمران‏.‏ ودليل ذلك ما ينقله رفاعة عن دستور‏1830‏ من أن الملك ليس مطلق التصرف وان ملكه مقيد بالقوانين والبرلمان الذي يراقب الحكومة‏,‏ وانه كغيره من ابناء الدولة الذين يتساوون امام الدستور‏,‏ فالدعوي القضائية تقام علي الملك كما تقام علي اصغر الرعية والحكم فيها للقانون المدني الذي يستوي امامه الجميع ولا يمايز بين المواطنين علي اساس من فئة او جنس او دين او ثروة‏,‏ وحرية الفكر والاعتقاد مصانة مثل حرية الملكية والمساواة وغيرهما من الجوانب التي تصونها السلطة القضائية المستقلة قولا وفعلا عن السلطتين التنفيذية والتشريعية‏,‏ ولم يكن من الغريب ان ينشر رفاعة كتابه تخليص الابريز في تلخيص باريز سنة‏1834‏ في مطبعة بولاق الحديثة‏,‏ وفي سياق تغير الحكم المطلق‏,‏ وبداية أفق الشوري الحديثة‏,‏ ففي العام نفسه يؤلف محمد علي المجلس العالي ويصدر سنة‏1837‏ قانون سياستنامة الذي حدد نظام الحكم في البلاد‏,‏ ونص علي حقوق المواطنين الذين ينبغي معاملتهم بالعدل والإنصاف‏,‏ ويضيف إلي ذلك خط شريف كلخانة الذي يؤكد المساواة في التوظف والالتحاق بالمدارس الحكومية والخدمة العسكرية‏,‏ والمساواة أمام القانون والمحاكم دون تمييز‏,‏ وذلك بما يضمن حريات المواطنن وحقوقهم العادلة‏.‏ وقد أتت البذرة التي زرعها محمد علي ثمارها مع إنشاء مجلس شوري النواب عام‏1866‏ في عهد اسماعيل الذي كان خطوة كبيرة في مدي تأصيل حضور الدولة المدنية‏,‏ ولولا هذا التأصيل ما ذهب الإمام محمد عبده‏(1849‏ ـ‏1905)‏ الي حد القول بأن الاسلام هدم بناء السلطة الدينية ومحا أثرها حتي لم يبق لها عند الجمهور اسم ولا رسم‏.‏ فالاسلام لم يدع لأحد بعد الله ورسوله سلطانا علي عقيدة أحد ولا سيطرة علي ايمانه‏,‏ وان الرسول عليه السلام كان مبلغا ومذكرا لا مهيمنا ولا مسيطرا ولم يجعل لأحد من اهله سلطة ان يحل ولا أن يربط لا في الارض ولا في السماء‏.‏ وكانت مثل هذه الاقوال تؤكد أن الدين الإسلامي ليس ضد الدولة المدنية‏,‏ وإنما هو داع وداعم لها في الوقت نفسه‏,‏ ولم تكن هذه الاقوال في التحليل الأخير‏,‏ سوي مقدمة يمكن أن يمضي منها فرح انطوان‏(1861‏ ـ‏1922)‏ الي القول‏(‏ سنة‏1903)‏ أنه لا مدنية حقيقية‏,‏ ولا عدل ولا مساواة ولا امن ولا ألفة ولا علم ولا فلسفة‏,‏ ولا تقدم في الداخل الا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية‏,‏ ولا سلامة للدول ولا عز ولا تقدم لها في الخارج إلا بفصل السلطة المدنية عن اسلطة الدينية‏.‏ وكان من الطبيعي أن يستكمل الجانب المعرفي للدولة المدنية بإنشاء الجامعة الحديثة‏,‏ تلك التي تكاتفت لانشائها مجموعة من رواد الاستنارة لتؤسس جامعة دينها العلم كما وصفها بحق سعد زغلول‏(1857‏ ـ‏1827)‏ لكي تكون مركزا للعلم الحديث‏,‏ ومركزا للتعليم العالمي الذي لا يمايز بين المواطنين‏,‏ ومنارة للاستنارة وحرية التفكير في الدولة المدنية الصاعدة‏,‏ حتي لو صدمت الفكر التقليدي الجامد‏,‏ ولم يكن من الغريب أن يمتحن فكر هذه الجامعة الثائر علي التقاليد عندما أصر طه حسين‏(1889‏ ـ‏1973)‏ كتابه في الشعر الجاهلي سنة‏1926‏ فاتهمته الجماعات المحافظة‏,‏ بالكفر وانتهي به الأمر إلي النيابة العامة التي حقق نائبها العام محمد نور في دعاوي الكفر الموجهة ضد طه حسين في كتابه‏.‏ وانتهي إلي حفظ التحقيق ورفض الدعاوي‏,‏ مؤكدا حرية التفكير وحق الاجتهاد المقدس في ضوء دستور‏1922‏ الذي كان من أفضل الدساتير التي عرفتها الدولة المدنية في مصر الحديثة‏,‏ إن لم يكن أفضلها‏.‏ وقد سمح مناخ التسامح في هذه الدولة لمفكر مثل إسماعيل أدهم‏(1911‏ ـ‏1940)‏ أن ينشر في أغسطس‏1937‏ في مجلة الإمام مقالا مسهبا بعنوان لماذا أنا ملحد؟ وفي صدر المقال إشارة إلي أن إسماعيل أدهم كتبه علي إثر مطالعة عقيدة الألوهة للدكتور أحمد زكي أبو شادي‏(1892‏ ـ‏1955).‏ وهي محاضرة ألقاها أبو شادي في أحد منتديات القاهرة‏,‏ تجمع بين التفلسف والروحانية والتصوف‏,‏ وتسعي إلي إقامة الاتصال بين الدين والعلم‏,‏ وعندما نشرت مجلة الإمام مقال إسماعيل أدهم تناول محمد فريد وجدي‏(1878‏ ـ‏1954)‏ تفنيد المقال في مجلة الأزهر التي كان رئيس تحريرها ومديرها‏,‏ وكان عنوان التفنيد الذي أصبح دراسة لماذا هو ملحد وأهم ما يلفت الانتباه في رد العالم الجليل هو عقلانيته وتسامحه واتساع صدره لقبول الرأي المختلف‏,‏ حتي لو كان مجاهرة بالكفر‏,‏ ويكفي أن نقرأ رد محمد فريد وجدي في كتابي هوامش علي دفتر التنوير‏.

Advertisements

2 Responses to “ذاكرة الدولة المدنية بقلم : جابر عصفور”


  1. 1 yousria salama March 30, 2009 at 5:20 pm

    المستنير/دكتور رفيق
    ذكرتني الأفكار بكلمة قريتها في كتاب البحث عن الذات، إن الخوف هو أكثر الآفات، يشل التفكير، ويمسخ التصرفات، ويشوه الشخصية، من وجهة نظري التحرر من القيودولاسيما الفكرية حتمًا سيؤدي لنوع من العدالة وليس بالضرورة العدل،طبعا يعد تعليقي تعقيب التعقيب، لأنك عرضت المقال بطريقة شيقة بدءًا من الوجهة السياسية حتى الفكرية وحرية الابداع، لكن يكفي إن أعترف اني مازلت أعاني من الخوف في طرح أفكاري بطلاقة، وآخر حاجة كنت اكتبها امس، اتقبلني زوجه؟نثر أخاطب فيه سيدنا يوسف، من فرط اعجابي به وبحسنه وأداءه، فاتمنى ان اكون زوجه له في الجنة. وأخشى عرض الفكرة.
    دي تاني حاجة أقراها أشكرك على كل إضافة.
    يسرية سلامة

  2. 2 rafiknakhla March 30, 2009 at 5:40 pm

    المقال ليس مقالي و لكن من اعجابي به قررت ان انشره في المدونه


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s





%d bloggers like this: